بعد طلب السودان استعادة عضويته… هل يُرفع التجميد؟
السودان اليوم _ السودان على مفترق طرق أفريقيا: لماذا يرفض الاتحاد رفع تعليق عضوية الخرطوم رغم طلب رسمي؟ وما شروط العودة؟
في خطوة غير مسبوقة على الساحة القارية، تقدَّمت الحكومة السودانية بطلب رسمي لرفع تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، بعد أن ظل هذا التعليق قائمًا منذ أكثر من أربع سنوات عقب انقلاب 2021. يُعد هذا الملف من أبرز نقاط التوتر في العلاقات بين الخرطوم وأبرز مؤسسات الاتحاد الأفريقي، ويشكل مؤشرًا مهمًا على مستقبل العلاقات السودانية–الأفريقية في المرحلة القادمة.
اليوم، يشهد مجلس السلم والأمن الأفريقي نقاشًا مكثفًا حول هذا الملف، في وقت تمثل فيه هذه الخطوة اختبارًا لقدرة السودان على إثبات التزامه بمعايير الحكم المدني والشرعية السياسية المطلوبة للعودة إلى الاتحاد كعضو كامل الحقوق.
خلفية تعليق عضوية السودان
بدأ تعليق عضوية السودان بعد الانقلاب العسكري الذي شهدته البلاد في أكتوبر 2021، حين تم حل مجلسَي السيادة والوزراء وفرض حالة الطوارئ، وهو ما اعتبره الاتحاد الأفريقي تغييرًا غير دستوري للحكومة. بناءً على ذلك، قرر الاتحاد تعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد الأفريقي حتى عودة الحكم المدني الشرعي.
يأتي هذا القرار في سياق سياسة الاتحاد الأفريقي الرافضة للتغييرات غير الدستورية في السلطة، إذ يستخدم تعليق العضوية كأداة ضغط للحد من الانقلابات العسكرية وتحفيز الدول على العودة إلى الحكم الديمقراطي، وهو ما حدث أيضًا مع عدة دول أخرى في السنوات الماضية.
طلب السودان لرفع التعليق
قدمت الخرطوم طلبًا رسميًا أمام مجلس السلم والأمن الأفريقي لإنهاء تعليق العضوية، مع تأكيدات بأن البلاد قد استوفت بعض الشروط السياسية الأساسية، أهمها تشكيل حكومة مدنية انتقالية، وإنهاء النزاعات المسلحة، ووضع خارطة طريق واضحة لإجراء الانتخابات واستعادة مؤسسات الحكم المدني.
يُعد هذا الطلب خطوة مهمة في سياق الدبلوماسية السودانية، إذ يأتي بعد تحركات مكثفة على الصعيد القاري، بهدف إعادة السودان إلى البيت الأفريقي ورفع القيود المفروضة على مشاركته في أنشطة الاتحاد ومؤسساته القارية.
لماذا القرار لم يُرفع بعد؟
على الرغم من الطلب الرسمي، فإن قرار رفع تعليق عضوية السودان لا يزال معلقًا، ويُعد سياسيًا تقديريًا، وليس إجراءً تلقائيًا، لأسباب عدة:
1. لا توجد آلية تلقائية في الميثاق الأفريقي
الميثاق الأفريقي لا يفرض رفع التعليق بشكل تلقائي بمجرد استيفاء أي شرط، بل يُترك القرار لمجلس السلم والأمن ولقمة رؤساء الدول والحكومات، حسب التقييم السياسي الشامل للظروف الداخلية لكل دولة.
2. تقييم الوضع السياسي الداخلي
الاتحاد يقيم مدى التزام السودان بالمعايير الديمقراطية ووجود نظام مدني شرعي، إضافة إلى جدية خارطة الطريق الانتخابية، وهو ما لم يتحقق بالكامل بعد وفق معايير التقييم الداخلي للاتحاد.
3. استمرار النزاعات المسلحة
الأوضاع الأمنية في السودان لم تزل معقدة، واستمرار النزاعات المسلحة يؤثر على تقدير الاتحاد للأوضاع، إذ يرى أن عودة السودان إلى الاتحاد قبل تحقيق الاستقرار الكامل قد تكون خطوة مبكرة وغير فعّالة.
4. تباين مواقف الدول الأعضاء
داخل مجلس السلم والأمن الأفريقي، لا يوجد توافق كامل حول رفع التعليق. بعض الدول تدفع نحو إعادة السودان، بينما ترى أخرى أن الشروط لم تُستوفَ بعد، ما يجعل القرار يعتمد على توافق سياسي دقيق بين الدول الأعضاء.
الدول الأخرى المعلقة عضوياتها
السودان ليس الحالة الوحيدة؛ الاتحاد الأفريقي علق عضويات عدة دول لأسباب مشابهة، تتعلق بانقلابات أو تغييرات غير دستورية للسلطة. تشمل هذه الدول:
مالي بعد انقلابات 2020 و2021
غينيا بعد انقلاب 2021
النيجر بعد انقلاب 2023
بوركينا فاسو بعد انقلاب 2022
الغابون التي عُلّقت عضويتها قبل أن تُرفع لاحقًا
توضح هذه الحالات أن الاتحاد يستخدم تعليق العضوية كأداة ضغط لضمان احترام القوانين الدستورية وعودة الحكم المدني، وهو ما يجعل ملف السودان جزءًا من استراتيجية أوسع للقارة الأفريقية.
شروط استعادة عضوية السودان
على الرغم من غياب نص قانوني ملزم، فإن شروط الاتحاد لاستعادة عضوية السودان تتضمن ثلاثة عناصر أساسية:
1. حكومة مدنية شرعية
عودة الحكم المدني الكامل بسلطات دستورية واضحة، بعيدًا عن السيطرة العسكرية المطلقة، هو الشرط الأساسي المطلوب.
2. خارطة طريق واضحة للانتقال الديمقراطي
وجود جدول زمني محدد للانتخابات واستعادة المؤسسات المدنية، وضمان حوار سياسي شامل مع جميع الأطراف، لتأكيد جدية العملية الانتقالية.
3. تهيئة الأجواء الأمنية للسلام
ضمان تراجع النزاع المسلح وتوفير بيئة آمنة وهادئة تسمح باستقرار الحكومة المدنية وضمان استمرار العملية الانتقالية دون عوائق أمنية.
لماذا القرار سياسي بحت؟
لأن القرار لا يعتمد على مجرد استيفاء شرط واحد، بل يشمل تقييمًا شاملًا للواقع السياسي، والأمني، والديمقراطي، والدبلوماسي للسودان، بالإضافة إلى توافق الدول الأعضاء في الاتحاد، وهو ما يجعل القرار تقديريًا وليس آليًا.
بذلك، تظل الخرطوم في مفترق طرق حاسم: إما استعادة عضويتها في الاتحاد الأفريقي، وهو ما يمثل انتصارًا دبلوماسيًا وسياسيًا، أو استمرار تعليق العضوية، وهو ما قد يُستغل كورقة ضغط داخلية وخارجية على السلطة الانتقالية.
اخيراً
ملف تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة البلاد على الالتزام بالمعايير الديمقراطية والاستقرار السياسي.
مع استمرار الحكومة الانتقالية في جهودها لإتمام خارطة الطريق، يبقى السؤال حول موعد رفع التعليق وإعادة السودان إلى البيت الأفريقي محل متابعة دقيقة، لما لذلك من تأثير كبير على علاقات السودان بالقارة، ومكانته السياسية والدبلوماسية في أفريقيا.
إن متابعة هذا الملف عن كثب أصبحت ضرورة لفهم مستقبل السودان داخليًا وخارجيًا، خاصة وأن النتائج قد تحدد بشكل مباشر مسار المرحلة الانتقالية القادمة، وتفتح آفاقًا جديدة للعلاقات الاقتصادية والسياسية مع باقي دول القارة.