منوعات

آخر جمعة من رمضان… الرحمتات السودانية بين التراث والحاضر

السودان اليوم

آخر جمعة من رمضان… الرحمتات السودانية بين التراث والحاضر

السودان اليوم – منوعات _ الجمعة 13 مارس 2026 _ أ.مهند عباس العالم

أصل الرحمتات ومعناها

كلمة “الرحمتات” تعني أن الرحمة آتية أو مقدمة، وهي ترمز إلى الصدقات التي يقدمها أهل البيت على روح المتوفين من الأقارب، خصوصًا لأول ذكرى لهم في رمضان. ويطلق عليها بعض أهل السودان اسم الجمعة اليتيمة، حيث تتزين الأزقة وتعلو أصوات الأطفال الذين يزورون البيوت مرددين أهازيج تقليدية تطلب من ربة المنزل تقديم الأطعمة الساخنة.

 

 

الرحمتات ليست مجرد طقس ديني، بل هي طقس اجتماعي وثقافي يعكس تماسك المجتمع السوداني وحبه لمشاركة الفرحة والبركة. في القرى القديمة، كانت الرحمتات مناسبة للقاء الأهل والجيران، وتبادل القصص والذكريات عن المتوفين، ما يخلق شعورًا بالارتباط الروحي والاجتماعي في يوم واحد من أيام رمضان.

 

عشاء الميتين وكرم القرى

تتكون وجبة الرحمتات عادة من اللحم أو الخروف المشوي، الأرز أو الفتة، والخبز الطازج، وأحيانًا يضاف التمر المبلول أو الحلومر البارد. في الماضي، كان يُذبح خروف أو عنبلوق ويقسم على عدة أسر، ليشارك الجميع في التحضير والأكل، أما اليوم فغالبًا ما تشتري الأسر المكونات من السوق مباشرة.

يجلس الأطفال في حلقات صغيرة لتناول الطعام بحماس، بينما تنتشر رائحة الخبز الطازج واللحم في الأزقة، ويعلو ضحكهم وأهازيجهم التي تضفي جوًا احتفاليًا لا يشبه أي يوم آخر من أيام رمضان. كما تبرز روح المشاركة بين الأسر والجيران، إذ قد يتبادل بعضهم الطعام أو يقدمون portions للأطفال الأقل حظًا، ما يعكس جانبًا من التكافل الاجتماعي العميق في المجتمع السوداني.

 

 

الأهازيج… صوت الفرح والمرح

يردد الأطفال كلمات أغانٍ جماعية تشبه الدعاء للست الدوكة، المرأة المسؤولة عن تحضير الطعام، لتخرج لهم الفتة الساخنة:

الحارة ما مرقت
ست الدوكة ما وقعت
قشاية قشاية
ست الدوكة نساية
كبريتة كبريتة
ست الدوكة عفريتة
ليمونة ليمونة
ست الدوكة مجنونة

تختلف الأهازيج قليلًا من منطقة إلى أخرى، لكنها تحمل روح المرح والضغط اللطيف على ربة المنزل لإخراج الطعام بسرعة. هذه الطقوس تشبه القرقيعان في دول الخليج، لكنها تحمل لمسة سودانية أصيلة تجعل الأطفال جزءًا من الاحتفال وتزرع فيهم قيمة المشاركة والتواصل مع المجتمع منذ الصغر.

 

 

الرحمتات في المدن… بين الحنين والحداثة

مع التغيرات الحضرية وانتقال الكثير من الأسر إلى المدن، بدأت هذه العادة تتراجع تدريجيًا. بعض الأطفال اليوم لم يسمعوا عن الرحمتات من قبل، بينما احتفظت القرى الصغيرة والمتوسطة بهذه الطقوس. إلا أن الرحمتات لم تختفِ بالكامل؛ بل تطورت لتتلاءم مع الواقع العصري، فبدل الخروف المشوي يُستخدم اللحم المقطع أو الوجبات الجاهزة، ومع ذلك يظل الجو الاحتفالي قائمًا، مع تبادل الطعام والضحك والذكريات بين الجيران.

الرحمتات… أكثر من مجرد طبق

الرحمتات ليست مجرد وجبة، بل هي رمز للكرم، الصدقة، والتكافل الاجتماعي. تعكس هذه المناسبة قدرة المجتمع السوداني على الحفاظ على التقاليد في مواجهة التغيرات السريعة، وتربط بين الأجيال عبر مشاركة الطعام والقصص والذكريات. كما أنها تسهم في تعليم الأطفال قيم المشاركة والرحمة منذ الصغر، وتخلق لديهم ش

عورًا بالانتماء إلى مجتمعهم وتراثهم الثقافي.

الحفاظ على التراث… التحديات والفرص

يواجه هذا الطقس التقليدي تحديات عدة، أبرزها الهجرة إلى المدن، الحياة العصرية، والانشغال اليومي، ما يهدد استمرار الرحمتات في شكلها الأصلي. ومع ذلك، توجد مبادرات محلية لإحياء العادة، مثل تنظيم رحمتات جماعية في الأحياء والمدارس، حيث يتعرف الأطفال على التراث ويستمتعون بالوجبات التقليدية.

يبقى السؤال: هل ستنجو الرحمتات من الاندثار، أم ستصبح مجرد ذكرى ترويها الأجيال القادمة عن رمضان أكثر دفئًا وبساطة؟ على الرغم من التغيرات، يظهر أن الرحمتات لا تزال نبض القرى وروح رمضان، وهي شهادة حية على قدرة التراث السوداني على البقاء حاضراً في ذاكرة الناس رغم مرور الزمن.

الرأي التحليلي: الرحمتات السودانية… طقس ثقافي يواجه تحديات الحداثة

يُظهر تقليد الرحمتات في آخر جمعة من رمضان كيف أن المجتمع السوداني يتمسّك بجذوره الثقافية والاجتماعية حتى مع التحولات الحضرية والعصرية. هذا الطقس ليس مجرد تقديم وجبات للأموات أو الأطفال، بل هو رمز للتكافل الاجتماعي، روح الكرم، والذاكرة الجماعية للأحياء والقرى.

في ظل التغيرات الكبيرة التي شهدها السودان، من هجرة نحو المدن، واعتماد نمط حياة سريع، يظهر أن الرحمتات تواجه خطر التلاشي تدريجيًا، خاصة بين الأطفال الذين لم يعايشوا التجربة بشكل مباشر. ومع ذلك، الحفاظ على هذه العادة يمثل معركة ضد النسيان الثقافي، حيث تظل القرى وبعض الأحياء متمسكة بالطقوس التقليدية، محافظة على توازن بين الماضي والحاضر.

كما أن الرحمتات تعكس قدرة المجتمع على إعادة ابتكار التراث، فالأسر الحديثة قد تحضر الأطعمة الجاهزة بدل الذبائح التقليدية، ولكنها تحافظ على الجو الاحتفالي والمشاركة الجماعية. هذا يظهر أن التراث قادر على التكيف دون أن يفقد جوهره الرمزي والاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى