اخبارمقالات

ياسر عرمان.. الشعب يستحق معرفة الحقائق

مقالات _السودان اليوم

ياسر عرمان.. الشعب يستحق معرفة الحقائق

السودان اليوم _ في ظل استمرار الحرب وتزايد المعاناة الإنسانية في مختلف ولايات البلاد، دعا القيادي السياسي ياسر عرمان إلى ضرورة مصارحة الشعب السوداني بحقيقة مسار الهدنة الإنسانية، مؤكدًا أن الطريق نحو وقف إطلاق النار ليس مفروشًا بالضمانات، بل تحيط به تعقيدات سياسية وعسكرية وإقليمية تتطلب مقاربة واقعية ومسؤولة من جميع الأطراف. وجاءت تصريحات عرمان في مقال سياسي تناول فيه الأوضاع الراهنة، مسلطًا الضوء على ما وصفه بالتباين بين التصريحات المتفائلة حول قرب التوصل إلى هدنة، والوقائع الميدانية التي تعكس استمرار العمليات العسكرية وتضارب الأجندات.

وأشار عرمان إلى أن الشعب السوداني يستحق معرفة الحقائق كاملة دون تجميل أو تضليل، لافتًا إلى أن تضخيم الآمال دون أسس واقعية قد يؤدي إلى إحباط واسع، خاصة في ظل أوضاع إنسانية توصف بأنها من الأسوأ منذ اندلاع النزاع. وأكد أن الحديث عن اتفاق جاهز للهدنة لا يزال يحتاج إلى شواهد عملية، وأن ما يجري حتى الآن لا يتجاوز تفاهمات أولية تصطدم بعقبات موضوعية تتعلق بمواقف أطراف الصراع، إضافة إلى تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي.

وفي تحليله للمشهد، تناول عرمان مواقف المؤسسات العسكرية والقوى المتحالفة معها، مشيرًا إلى أن أي مقاربة واقعية للهدنة ينبغي أن تراعي هواجس المؤسسة العسكرية المتعلقة بالأمن القومي ووحدة البلاد، خاصة في ظل استمرار الاشتباكات واتساع رقعة المواجهات في بعض المناطق الاستراتيجية. ويرى أن التخوف من استغلال أي هدنة لإعادة ترتيب القوى العسكرية أو تحقيق مكاسب ميدانية يمثل أحد أبرز التحديات أمام تثبيت وقف إطلاق النار، الأمر الذي يتطلب آليات رقابة وضمانات واضحة تضمن التزام جميع الأطراف بما يتم الاتفاق عليه.

 

 

 

 

 

 

كما تطرق إلى موقف قوات الدعم السريع وتحركاتها الميدانية، معتبرًا أن استمرار العمليات العسكرية بالتوازي مع الخطاب السياسي الداعي للهدنة يخلق حالة من الشك المتبادل، ويعقّد فرص الوصول إلى تفاهم مستدام. وأوضح أن أي تقدم في ملف الهدنة يستوجب وقفًا فعليًا للأعمال القتالية وتهيئة بيئة تسمح ببناء الثقة، بما يشمل تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة ووقف الانتهاكات بحق المدنيين.

ولم يغفل عرمان الإشارة إلى دور الوساطات الإقليمية والدولية، مبينًا أن تعدد مسارات الوساطة وغياب التنسيق الكامل بينها قد يضعف من فعالية الجهود المبذولة. ولفت إلى وجود أدوار متعددة تقودها أطراف إقليمية ودولية، من بينها جهود برعاية الاتحاد الأفريقي، إلى جانب مبادرات أخرى، مؤكدًا أن توحيد المنابر وتنسيق الجهود يمكن أن يسهم في تقليل التباينات ويزيد من فرص تحقيق اختراق حقيقي في مسار التهدئة.

وفي سياق متصل، أشار إلى أن الحرب في السودان لم تعد شأناً داخليًا فحسب، بل أصبحت ذات أبعاد إقليمية ودولية، نظرًا لموقع السودان الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر وارتباطه بمناطق القرن الأفريقي والساحل، ما يجعل أي تصعيد داخلي عرضة لتقاطعات المصالح الإقليمية. وأكد أن كلما طال أمد الصراع، ازدادت تشابكات المصالح والتحالفات، وهو ما قد يعقّد الوصول إلى تسوية سريعة ما لم تتوفر إرادة وطنية جامعة تضع مصلحة البلاد فوق أي اعتبارات أخرى.

 

 

 

 

 

ودعا عرمان إلى أهمية دور القوى المدنية في صياغة رؤية متكاملة للسلام، مشددًا على أن أي هدنة إنسانية ينبغي ألا تُختزل في تفاهمات عسكرية فقط، بل يجب أن تفتح المجال أمام عملية سياسية شاملة تضمن مشاركة أوسع للقوى الوطنية والمجتمعية. واعتبر أن توحيد الجبهة المدنية الداعية لوقف الحرب يمكن أن يشكل عامل ضغط إيجابي يعزز فرص التوصل إلى حل سياسي متوازن يحافظ على وحدة السودان واستقراره.

وفي الوقت ذاته، شدد على ضرورة الاستفادة من تجارب السودان السابقة في إدارة الأزمات والصراعات، مشيرًا إلى أهمية التعاطي الإيجابي مع المجتمع الدولي دون التفريط في القرار الوطني. واعتبر أن الهدنة الإنسانية، حال تحققها، تمثل خطوة أولى نحو استعادة الحياة الطبيعية، لكنها لن تكون كافية ما لم تُستكمل بخطوات سياسية واضحة تعالج جذور الأزمة وتضع أسسًا دائمة للسلام والاستقرار.

وتأتي هذه الطروحات في وقت تتزايد فيه الدعوات داخليًا وخارجيًا لوقف القتال، خاصة مع تفاقم الأوضاع الإنسانية في عدد من الولايات، حيث تعاني قطاعات واسعة من المواطنين من نقص الخدمات الأساسية وتراجع الأوضاع الاقتصادية. كما تتصاعد التحذيرات من تأثير استمرار الحرب على النسيج الاجتماعي ومؤسسات الدولة، ما يعزز الحاجة الملحة إلى مبادرات جادة لوقف النزيف.

ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف السودانية على تقديم تنازلات متبادلة تفضي إلى تثبيت هدنة قابلة للاستمرار، بعيدًا عن منطق الغلبة العسكرية. ويؤكد هؤلاء أن أي اتفاق يحتاج إلى ضمانات رقابية وآلية تنفيذ واضحة، إضافة إلى دعم إقليمي ودولي منسق يعزز فرص نجاحه.

وفي ختام رؤيته، طرح عرمان تساؤلًا حول مسؤولية السودانيين في بلورة مبادرة وطنية شاملة تضع إطارًا متكاملًا للسلام، بما يمنع انزلاق البلاد إلى دورات صراع جديدة، ويؤسس لمرحلة انتقالية ترتكز على سيادة القانون وحماية المدنيين وبناء مؤسسات قوية. وأكد أن الطريق إلى الهدنة قد يكون طويلًا، لكنه يظل خيارًا لا بديل عنه إذا ما أُريد للسودان أن يتجاوز محنته الراهنة ويفتح صفحة جديدة عنوانها الاستقرار والتنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى