بالمستندات.. القانون أم النفوذ؟ واقعة داخل محلية الخرطوم تضع سيادة الدولة على المحك
مقالات _ السودان اليوم
بالمستندات.. القانون أم النفوذ؟ اختبار سيادة الدولة في محلية الخرطوم
بقلم: رشان أوشي
مقالات _ السودان اليوم _ في كل مرة ترفع الدولة شعاراتها حول سيادة القانون ومحاربة الفساد واستقلالية مؤسساتها، يظل التساؤل قائماً: هل هذه الشعارات حقيقية أم مجرد شعارات إعلامية؟ الواقع العملي أحياناً يعيدنا إلى اللحظة التي تختبر فيها تلك الشعارات على الأرض. حدثت خلال الأيام الماضية واقعة في محلية الخرطوم أعادت طرح هذا السؤال بطريقة حادة وملموسة: هل يظل القانون هو الفيصل، أم أن النفوذ قادر على تجاوز أي نصوص ولو كانت رسمية وواضحة؟
الواقعة المتعلقة بقطعة أرض تبلغ مساحتها نحو ألف متر مربع، مجتزأة من مجمع ديني معروف، تحمل أكثر من رسالة دفعة واحدة. بحسب إفادات متطابقة من شهود عيان، قام مندوب عن عضو بمجلس السيادة بزيارة مكتب مدير أراضي محلية الخرطوم، حاملاً مستندات تثبت ملكية الأرض، طالباً تخليص إجراءات بيعها. إلا أن مدير الأراضي أبلغ المندوب بأن جميع إجراءات بيع الأراضي الاستثمارية متوقفة، استناداً إلى قرار مكتوب صادر عن والي الخرطوم، أحمد عثمان حمزة.
هذا الموقف، رغم وضوحه القانوني، كان كفيلاً بإشعال أزمة، إذ لم يكتف المندوب بالموقف الرسمي، بل تصاعدت الأمور في اليوم التالي عندما حضرت عضو مجلس السيادة نفسها إلى المكتب، برفقة شقيقتها وعدد من المرافقين، وبدأت باستفسار مباشر عن أسباب رفض تخليص المعاملة. حاول المدير الحفاظ على الموقف الرسمي، موضحاً أن القرار صادر من أعلى سلطة تنفيذية في الولاية، وأن أي تجاوز للقوانين واللوائح يمثل خرقاً للتسلسل الإداري المقرر.
لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، إذ طالبت عضو مجلس السيادة المدير بالاتصال بالوالي مباشرة لإبلاغه بالطلب، وهو ما رفضه المدير مبرراً بأن نطاق صلاحياته لا يتجاوز مكتبه ووظيفته الرسمية. وفي لحظة توتر، بحسب الشهود، دخل النقاش مرحلة حادة، ووفق روايات الشهود، قامت عضو مجلس السيادة بالانفعال بشكل واضح، وضربت الطاولة، ووجهت اتهامات مباشرة للموظف، قبل أن تغادر المكان.
لم يمضِ وقت طويل حتى عادت عضو مجلس السيادة برفقة الأمين العام لحكومة الولاية، عبدالهادي، ووزير التخطيط العمراني، الذين أجروا زيارة رسمية للمكتب، وأصدر الأمين العام قراراً بإبعاد المدير عن مكتبه، ومنعه من المرور بالمبنى، لتصدر في اليوم التالي أوامر بإيقافه عن العمل.
ما يجعل هذه الواقعة أكثر حساسية هو الخلفية المهنية للموظف، آيات الله محمد أحمد المأذون، الذي قضى نحو أربعين عاماً في الخدمة العامة، ولم يتبق له سوى أشهر قليلة قبل الإحالة إلى التقاعد. أربعون عاماً من الالتزام بالقانون والنظام انتهت بإجراء يبدو معاكسا تماماً لما يعلنه المسؤولون عن احترام النصوص القانونية وحماية الموظفين الملتزمين.
هذه الواقعة ليست مجرد حادثة إدارية، بل هي اختبار فعلي لمدى التزام الدولة بسيادة القانون، وقدرتها على حماية موظفيها من الضغوط والاعتداءات المباشرة على نزاهتهم. فالرسالة التي تصل من هذه الأحداث إلى موظفي الخدمة المدنية، هي أن التمسك بالقانون قد يُكلفك وظيفتك، بينما التساهل مع النفوذ أو تجاوز التسلسل الإداري قد يكون الطريق الأسهل للحفاظ على موقعك.
من زاوية تحليلية، يمكن فهم هذه الحادثة على أنها نموذج مصغر للتحديات التي تواجه الدولة السودانية في مرحلة التحول والإصلاح. فبينما تُرفع شعارات مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، تظهر أمثلة عملية تثبت أن القوة الشخصية والنفوذ ما زالا قادريْن على التأثير في قرارات مؤسساتية رسمية، حتى لو كانت واضحة ومكتوبة.
الأسئلة المطروحة هنا أكثر من أن تُحصى: كيف يمكن حماية الموظف العام من ضغوط النفوذ؟ كيف يمكن ضمان تطبيق القانون دون تدخلات سياسية أو شخصية؟ وما هي الإجراءات اللازمة لتجنب مثل هذه التصادمات التي قد تهدد الثقة بين الدولة ومواطنيها؟
خبراء الإدارة العامة والقانون يرون أن حماية الموظف الذي يلتزم بالقانون هي حجر الزاوية في أي نظام إداري متوازن. إذ أن أي محاولة لزج الموظف في صراع بين القانون والنفوذ تُضعف المؤسسات، وتولد بيئة عمل مليئة بالخوف، وتؤثر على جودة الخدمات العامة المقدمة للمواطنين. فالالتزام بالقانون يجب أن يكون سبباً للحماية، لا العقوبة.
من منظور المواطنين، فإن هذه الواقعة تؤكد أن حماية حقوقهم القانونية ومتابعة مصالحهم يمكن أن تتعرض للتأثير المباشر من النفوذ السياسي. حتى لو كانت مصالحهم مشروعة، فإن الموظف الذي يلتزم بالقوانين هو الذي يقرر ما يمكن تمريره وما لا يمكن، وليس أي ضغط خارجي.
الحكومة، من جانبها، مطالبة بتوضيح هذه الوقائع، سواء عبر التحقيق أو التوضيح الرسمي، لتكون فرصة حقيقية لإعادة الثقة بين الموظفين ومؤسسات الدولة. سيادة القانون ليست شعاراً يوضع على لافتة، بل هي اختبار يومي يظهر من خلال كيفية تعامل الدولة مع الموظفين الذين يلتزمون بالنصوص الرسمية.
إن أخطر ما في هذه الحادثة، هو الرسالة التي تصل إلى جميع المؤسسات الأخرى: أن التمسك بالقانون قد يصبح مخاطرة شخصية، وأن النفوذ يمكن أن يتجاوز أي إجراء رسمي. هذه الرسالة، إذا استمرت دون معالجة، قد تؤدي إلى ضعف التزام الموظفين بالقوانين، وتأثير سلبي على الأداء الإداري، وربما زيادة حالات الفساد أو التلاعب في المستقبل.
في النهاية، هذه الواقعة ليست مجرد قصة موظف أو قطعة أرض، بل هي انعكاس حقيقي لمستوى تطبيق الدولة لمبادئها المعلنة، واختبار حقيقي لمدى التوازن بين السلطة والنظام القانوني. وبينما ينتظر الرأي العام موقفاً رسمياً، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً: هل ينتصر القانون، أم يظل النفوذ سيد الموقف؟
حتى تتضح الصورة، فإن أفضل طريقة لحماية سيادة القانون هي عبر شفافية القرار الإداري، وضمان حماية الموظف العام، وتأكيد أن أي تدخل خارج الأطر الرسمية سيكون مسؤولية من قام به، لا من التزم بالقانون. فقط بهذه الطريقة يمكن أن تُبنى مؤسسات قوية، ومجتمع يحترم القوانين، وموظفون لا يخشون الالتزام بما هو مكتوب.