عقبات العودة إلى السودان.. بين جدل الإيجارات ومراجعة الجبايات
السودان اليوم _ أ. مهند عباس العالم
عقبات العودة إلى السودان.. بين جدل الإيجارات ومراجعة الجبايات
السودان اليوم _ بقلم: داليا الياس
أعاد لقاء ممثلي مجلس الوزراء السوداني بعدد من أفراد الجالية في القاهرة فتح ملف عودة المواطنين إلى البلاد، في ظل استمرار تداعيات الحرب والتحديات الاقتصادية المعقدة. وكان ملف الإيجارات والجبايات في صدارة النقاش، باعتباره أحد أبرز المعوقات التي تواجه الراغبين في العودة والاستقرار مجدداً.
وخلال اللقاء، علّق وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم على المطالبات بضبط سوق الإيجارات، موضحاً أن الحكومة لا تتدخل في حرية التعاقد بين ملاك العقارات والمستأجرين، مشيراً إلى أن الدولة تعمل وفق نظام اقتصاد سوق، ولا تملك صلاحية فرض أسعار على الملاك.
هذا التصريح أثار نقاشاً واسعاً بين الحضور، خاصة أن ملف الإيجارات ظل محل شكاوى متكررة منذ اندلاع الحرب، حيث ارتفعت القيمة الإيجارية في عدد من الولايات بشكل ملحوظ نتيجة النزوح الداخلي وازدياد الطلب على المساكن.
ويرى مراقبون أن الإشكالية لا تتعلق بمصادرة حق الملاك أو فرض تسعير إداري مباشر، بقدر ما ترتبط بإمكانية وضع ضوابط تنظيمية استثنائية، تراعي الظرف الطارئ الذي تمر به البلاد. ففي تجارب دول أخرى شهدت نزاعات أو كوارث طبيعية، تدخلت الحكومات عبر سياسات مؤقتة لتنظيم الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية، دون الإخلال بمبدأ حرية السوق.
ومع تصاعد الدعوات للعودة الطوعية، برز تساؤل جوهري: هل يكفي النداء المعنوي للعودة، أم أن الأمر يتطلب حزمة متكاملة من التسهيلات الاقتصادية؟
كثير من أصحاب المشروعات الصغيرة أبدوا تخوفهم من استئناف النشاط في ظل تعدد الرسوم والضرائب المحلية، وهو ما دفع الحكومة – بحسب ما تم الإعلان عنه في اللقاء – إلى تشكيل لجان مختصة لمراجعة الجبايات واستقبال الشكاوى المتعلقة بسوق العمل الخاص، في خطوة تهدف إلى تخفيف الأعباء وتحسين بيئة الاستثمار الداخلي.
وفي ما يخص ملف السكن، يشير مختصون إلى أن الحلول الممكنة قد تشمل:
تشجيع المبادرات المجتمعية لتخفيض الإيجارات لفترة انتقالية.
تقديم حوافز ضريبية للملاك الملتزمين بأسعار عادلة.
تسهيل استيراد مواد البناء لتقليل تكلفة إعادة التأهيل.
تفعيل القوانين المنظمة للسمسرة العقارية لمنع الممارسات غير النظامية.
كما أن تسهيل الإجراءات الجمركية لمواد البناء قد يمثل عاملاً مهماً في مساعدة الأسر التي تحتاج إلى صيانة مساكنها قبل العودة.
ويؤكد اقتصاديون أن استقرار السوق العقاري يمثل ركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ اقتصادي، لأن تكلفة السكن تؤثر مباشرة في قدرة الموظف والعامل والتاجر على إعادة ترتيب حياته المهنية والاجتماعية.
من جهة أخرى، حظي تدخل رئيس مجلس الوزراء في اللقاء بتقدير عدد من الحضور، إذ شدد على أهمية مراعاة الظروف الإنسانية للعائدين، ودعا إلى تعزيز قيم التضامن المجتمعي خلال هذه المرحلة الدقيقة.
في المحصلة، تبدو العودة إلى الوطن مشروعاً وطنياً جامعاً، لكنه يحتاج إلى منظومة متكاملة من المعالجات الاقتصادية والتنظيمية لضمان الاستدامة. فقرار الانتقال من النزوح أو اللجوء إلى الاستقرار الداخلي لا يُبنى على العاطفة وحدها، بل على حسابات واقعية تتعلق بالسكن والعمل وتكلفة المعيشة.
تحليل خاص – السودان اليوم
يرى “السودان اليوم” أن ملف العودة الطوعية يجب أن يُدار برؤية اقتصادية شاملة، لا تقتصر على الدعوة السياسية أو المعنوية. فالسوق العقاري في السودان تأثر بصورة كبيرة بالحرب، وأي اختلال في التوازن بين العرض والطلب ينعكس مباشرة في الأسعار.
ورغم التزام الدولة بنظام اقتصاد السوق، فإن أدوات السياسة المالية والتنظيمية تتيح هامشاً واسعاً للتدخل غير المباشر، عبر الحوافز والإعفاءات وإعادة هيكلة الرسوم المحلية. كما أن ضبط الجبايات يمثل خطوة أساسية لإعادة الثقة للقطاع الخاص، خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تُعد محركاً رئيسياً للاقتصاد المحلي.
نجاح العودة مرتبط بثلاثة عناصر رئيسية:
استقرار أمني نسبي.
تكلفة سكن معقولة.
بيئة عمل خالية من الرسوم المعقدة والمضاعفة.
من دون هذه العناصر، ستظل العودة قراراً محفوفاً بالمخاطر الاقتصادية لكثير من الأسر.