عبد الحي يوسف حرب إيران .. قراءة شرعية
السودان اليوم _ السبت 28 مارس 2026
بقلم.. شيخ عبدالحي يوسف
في خطبة الجمعة الأخيرة، أطلّ علينا فضيلة الشيخ عبد الحي يوسف بخطاب شامل تناول قضايا الحرب والاختلاف بين الناس، مستعرضًا أمثلة من حياة الصحابة الكرام، لتكون أمام المسلمين قاعدة فهمية متينة حول كيفية التعامل مع الصراعات، سواء داخل المجتمعات الإسلامية أو في مواجهة القوى الخارجية. الخطبة لم تقتصر على الجانب الديني فحسب، بل امتدت إلى تحليل سياسي للمشهد الحالي، ما يجعلها مادة قيمة للقراء المهتمين بالقضايا الدينية والسياسية على حد سواء.
بدأ الشيخ خطبته بالحمد والثناء على الله عز وجل، مذكّرًا بفضله وحكمته في كل ما يجري في الأرض والسماء، مشيرًا إلى أن الله يعلم ما في القلوب ويقود الأحداث وفق حكمته، وأنه سبحانه أرسل رسولنا الكريم محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ليظهر الدين الحق، وأنه لم يترك أمته إلا وقدمت لهم هدى وسلام.
ثم تناول الشيخ قضية الاختلاف بين الصحابة، وأخذ أمثلة من تاريخ الغزوات الإسلامية. ففي غزوة بدر، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، كان هناك سبعون أسيرًا من المشركين، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حول كيفية التعامل معهم.
أبو بكر رضي الله عنه اقترح العفو عنهم، مؤمنًا أن ذلك قد يؤدي إلى هدايتهم.
عمر رضي الله عنه اقترح أخذ أقصى الجزاءات لزيادة الردع.
عبد الله بن رواحة اقترح عقوبة شديدة على الأسرى.
وعلى الرغم من اختلاف الرأي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهَر أحدًا، بل اختار الرأي الذي رأى فيه رحمة ورحمة الله، وأطلق سراح الأسرى، مما يعكس مبدأ الوسطية واللين في الإسلام، والقدرة على التعامل مع الخلافات بطريقة تحفظ المصلحة العامة وتحفظ الحق.
ثم انتقل الشيخ إلى أحداث غزوة الأحزاب وذات السلاسل، موضحًا كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة المختلفين في الرأي حول مسائل صلاة الجماعة وتنظيم الجيش، وكيف أن الاختلاف لم يكن سببًا للتنازع أو التخوين، بل كان ضمن حدود الاحترام والالتزام بأوامر الله ورسوله.
درس مهم: الاختلاف سنة كونية
أكد الشيخ أن الاختلاف بين البشر سنة كونية، قائلاً: «الله خلقنا مختلفين في ألسنتنا وألواننا وأفكارنا وعقولنا»، مستشهدًا بآيات القرآن الكريم التي تؤكد أن اختلاف البشر شيء طبيعي: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
وأضاف أن الإسلام وضع قواعد واضحة للتعامل مع الاختلاف، منها الاحترام المتبادل، وعدم التخوين أو اتهام الآخرين بالكفر أو الضلال، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لأخيه يا كافر أو يا منافق فقد باء بها أحدهما».
الانتقال إلى الواقع المعاصر
ثم ربط الشيخ بين الدروس التاريخية للصحابة وبين الواقع الحالي، مشيرًا إلى الحرب الدائرة اليوم على الأرض الإسلامية، مع التركيز على الحرب الأخيرة ضد إيران.
أوضح الشيخ أن هذه الحرب ليست صراعًا على الحق أو على العقيدة الإسلامية، بل هي حرب مصالح سياسية واقتصادية، يقودها أعداء صليبيون وصهاينة يسعون للسيطرة على المنطقة ونهب مواردها، مستشهدًا ببيانات رسمية لبعض قادة الدول الغربية التي أعلنت فيها طموحاتها لتوسيع نطاق النفوذ، على غرار تصريح الرئيس الأمريكي الأخير الذي أشار فيه إلى أن مساحة إسرائيل صغيرة، وكأنه يلمح إلى الحاجة لتوسيع نفوذها.
وأشار الشيخ إلى أن الهدف من هذه الحرب ليس حماية المسلمين أو الدفاع عن السنة، بل السيطرة على الموارد وإخضاع شعوب المنطقة. وأوضح أن إيران، رغم الإمكانات الهائلة التي يمتلكها الأعداء، استطاعت أن تصمد لمدة شهر كامل وتحقق خسائر كبيرة في صفوف المعتدين، ما يعكس قدرة الدول المسلمة على المواجهة إذا توفرت الإرادة والوحدة.
الحقائق الشرعية المستخلصة
الواجب الوقوف مع أهل الإسلام: كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾.
وضوح نوايا الأعداء: الصليبيون والصهاينة لا يقاتلون إلا لأسباب مادية أو سياسية، وليس لإحقاق الحق أو نصرة الدين.
أهمية الوحدة بين المسلمين: التشتت والاختلاف يضعف القدرة على المواجهة، ويتيح للأعداء الفرصة لتحقيق مصالحهم.
دروس التاريخ: اختلاف الصحابة لم يمنعهم من الوقوف معًا في مواجهة الأعداء، وكان ذلك سببًا في تحقيق الانتصارات الكبرى.
التحليل السياسي
من منظور سياسي، يمكن فهم خطاب الشيخ على أنه دعوة لليقظة الاستراتيجية:
التركيز على أن القوة ليست بالعدد أو الموارد فقط، بل بالإرادة والعزيمة.
حث الحكومات والشعوب على توحيد الصفوف، وتجاوز الخلافات الحزبية والمذهبية والعرقية.
تأكيد أن أي دولة مسلمة يمكن أن تواجه قوى عظمى إذا توفرت الوحدة والتخطيط السليم، كما حدث في إيران.
كما أن الشيخ يربط بين الجانب الديني والأخلاقي والسياسي، مؤكدًا أن القيم الإسلامية – كالصبر، واللين، والعدل، والوحدة – هي التي تصنع قوة الأمة، وليس مجرد التسلح أو المال.
الدعوة للوحدة والصف الإسلامي
شدد الشيخ على أن الأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى مشروع يجمع قلوب المسلمين، ويضع نصب أعينهم حماية المقدرات وصون الأمن والاستقرار، وتجاوز كل ما يفرقهم من خلافات. وأكد أن الخلافات بين الناس يجب أن تُحل بالاحترام والعدل، وليس بالتخوين أو اتهام الآخر بالفسق أو الكفر.
وأشار إلى أن الصحابة رضوان الله عليهم، رغم كثرة خلافاتهم، حافظوا على وحدة الصف، ولم يسمحوا للهوى أو المصالح الشخصية أن تؤثر على مواقفهم تجاه الدين والدولة. هذه الدروس يمكن أن تكون نموذجًا للأمة اليوم في مواجهة الصراعات المعاصرة.
دعاء ونهاية الخطبة
اختتم الشيخ خطبته بالدعاء للمسلمين بالأمن والاستقرار، ونصرة الدين، والهداية إلى أحسن الأخلاق، مؤكدًا أن النصر الحقيقي يبدأ بالوعي الديني والتمسك بالقيم الأخلاقية، ثم يتبعه العمل الملموس للوحدة والتضامن في مواجهة التحديات.
كما دعا الشيخ إلى التفكر في الأحداث الجارية، وأن يتذكر المسلمون أن القوة الحقيقية لا تأتي فقط من الإمكانات المادية، بل من الإيمان، والتوكل على الله، والعمل الموحد، ما يجعل الأمة قادرة على الصمود أمام أي عدوان.
تحليل إضافي: ماذا يمكن أن نستخلص من هذه الخطبة للواقع السوداني؟
التأكيد على الوحدة الوطنية: الخطبة تضع نموذج الصحابة كقدوة، ما يجعل أي خلافات سياسية أو مذهبية داخل السودان قابلة للحل بالحوار والاحترام المتبادل.
الوعي بالتهديدات الخارجية: من المهم إدراك أن الصراعات الخارجية غالبًا ما تكون مصالحية، وليست دينية بحتة، ما يفرض اليقظة والتخطيط.
أهمية القيادة الحكيمة: القيادة التي تحترم الرأي المختلف وتعمل لمصلحة العامة تحقق استقرار الدولة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة.
القدرة على الصمود: حتى الدولة الواحدة يمكن أن تصمد أمام القوى العظمى إذا كان الشعب موحدًا وإرادته قوية، وهو درس مهم لكل الحكومات والشعوب المسلمة.
خلاصة المنوعات
خطبة الشيخ عبد الحي يوسف تقدم مادة غنية للقراء من جميع المستويات:
دينية: شرح لسيرة النبي والصحابة، وأحكام الاختلاف في الرأي.
تاريخية: ربط الماضي بالحاضر وإبراز الدروس المستفادة.
سياسية: تحليل للصراعات الحالية ووضع توصيات عملية للوحدة والمواجهة.
ثقافية وأخلاقية: تعزيز قيم الاحترام، والاعتدال، والصبر، والعمل الجماعي.
من هذا المنطلق، يمكن القول إن هذه الخطب تتجاوز كونها مجرد خطاب ديني، لتصبح مادة معرفية شاملة تساعد القراء على فهم دينهم، وتاريخهم، وموقفهم من القضايا المعاصرة، مع تعزيز التفكير النقدي والوعي الاستراتيجي.
المصدر عبد الحي يوسف


