رحيل البروفيسور محمد عثمان صالح يثير تساؤلات حول فراغ الساحة الدعوية في السودان
السودان اليوم _ الأحد 29 مارس 2026
في لحظة مؤثرة، فقدت الساحة العلمية والدعوية في السودان أحد أبرز رموزها، بوفاة البروفيسور محمد عثمان صالح، الذي يُعد من الأسماء البارزة في مسيرة الفكر الإسلامي الحديث في البلاد، وصاحب إسهامات ممتدة في مجالات التعليم والدعوة وبناء المؤسسات الدينية.
الراحل الذي ارتبط اسمه بتأسيس هيئة علماء السودان في صورتها المعاصرة، لم يكن مجرد شخصية أكاديمية تقليدية، بل مثّل نموذجاً لعالم جمع بين التأصيل العلمي والانخراط في قضايا المجتمع، حيث أسهم عبر عقود طويلة في تشكيل الوعي الديني لدى قطاعات واسعة من السودانيين، من خلال التدريس، والخطاب الدعوي، والمشاركة في النقاشات العامة المرتبطة بالشأن الديني والفكري.
وشغل الفقيد مناصب أكاديمية رفيعة، أبرزها إدارته لـجامعة أم درمان الإسلامية، إلى جانب عمله أستاذاً لمقارنة الأديان، وهو تخصص دقيق يتطلب توازناً فكرياً ومنهجية علمية عميقة، الأمر الذي انعكس على خطابه الذي اتسم بالاعتدال والانفتاح، وهي سمات ظل يحرص على ترسيخها في طلابه ومريديه.
وبحسب مقربين، فإن مسيرة الراحل لم تقتصر على التعليم الأكاديمي، بل امتدت إلى بناء أجيال من الدعاة الذين حملوا أفكاره القائمة على الوسطية، وربط الدين بقضايا الواقع، بعيداً عن الغلو أو الانغلاق، وهو ما جعله يحظى باحترام واسع داخل السودان وخارجه.
وفي تعليقات نُشرت عقب إعلان الوفاة، أشار الدكتور رجاء محمد صالح إلى أن الفقيد كان “مدرسة قائمة بذاتها”، موضحاً أنه جمع بين رسوخ العلم ووضوح الرؤية، وظل ثابتاً في مواقفه، ومؤثراً في محيطه العلمي والدعوي، لافتاً إلى أن رحيله يمثل خسارة كبيرة لا يمكن تعويضها بسهولة.
ويأتي هذا الرحيل في توقيت حساس تمر به البلاد، حيث تشهد الساحة السودانية تحديات معقدة على المستويات السياسية والاجتماعية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الخطاب الديني، ودور العلماء في المساهمة في تحقيق التوازن المجتمعي خلال الأزمات.
المصدر.. هيئة علماء السودان
رأي تحليلي – السودان اليوم:
يمثل رحيل البروفيسور محمد عثمان صالح أكثر من مجرد فقدان شخصية علمية، بل يكشف عن فجوة متنامية في بنية الخطاب الديني بالسودان، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى أصوات معتدلة قادرة على توجيه المجتمع وسط حالة الاستقطاب الحاد.
فالسودان، الذي يعيش واحدة من أكثر مراحله تعقيداً، يحتاج إلى نماذج من العلماء الذين يجمعون بين الفقه بالواقع والفهم العميق للنصوص، وهي معادلة لم تعد متوفرة بالقدر الكافي، ما يضع المؤسسات الدينية أمام اختبار حقيقي لإعادة إنتاج قيادات فكرية قادرة على ملء هذا الفراغ.
كما أن غياب شخصيات بحجم الراحل قد يفتح الباب أمام تصاعد خطابات متشددة أو غير منضبطة، خاصة في ظل ضعف المؤسسات وغياب المرجعيات الجامعة، وهو ما يجعل من الضروري إعادة النظر في دور الهيئات العلمية، وتفعيل حضورها بما يتناسب مع التحديات الراهنة.
في المقابل، يبقى الإرث العلمي والتربوي الذي خلفه الراحل رصيداً مهماً يمكن البناء عليه، إذا ما تم استثماره بشكل صحيح، سواء عبر تلاميذه أو من خلال المؤسسات التي أسهم في تأسيسها، لضمان استمرار النهج الوسطي الذي كان يمثل أحد أبرز ملامح مشروعه الفكري.
وبرغم قسوة الفقد، فإن سيرته تظل حاضرة في الذاكرة العلمية، شاهدة على تجربة عالمٍ لم يكن عابراً، بل ترك أثراً سيظل ممتداً في وجدان طلابه وكل من تأثر بعلمه وفكره.


