تحركات مكثفة قبل امتحانات الشهادة الثانوية في الخرطوم
متابعات – السودان اليوم _ الأربعاء 1 أبريل 2026
كثّفت إدارة المرحلة الثانوية بولاية الخرطوم من تحركاتها خلال الفترة الأخيرة في إطار الاستعداد لانعقاد امتحانات الشهادة الثانوية للعام 2026، وذلك عبر اجتماع موسع ضم مديري المراحل التعليمية بالمحليات المختلفة، بهدف الوقوف على مستوى الجاهزية العامة، ومراجعة الترتيبات الإدارية والفنية المرتبطة بسير العملية الامتحانية في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد.
وانعقد الاجتماع برئاسة مريم صالح، حيث ناقش الحاضرون جملة من القضايا المتعلقة بالتجهيزات الميدانية، بما في ذلك تجهيز المراكز الامتحانية، وتوزيع الكوادر التعليمية، والتأكد من اكتمال الجوانب اللوجستية التي تضمن سير الامتحانات بصورة سلسة ومنظمة. ويأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه الضغوط على المؤسسات التعليمية نتيجة تداعيات الحرب، وما خلفته من تحديات كبيرة على مستوى البنية التحتية والاستقرار المجتمعي.
وخلال الاجتماع، قدّم أحمد الصافي البشير موجهات عامة تتعلق بتسلسل تنفيذ المهام، مؤكدًا على ضرورة الالتزام بالخطط الزمنية المحددة، والعمل بروح الفريق الواحد بين مختلف الإدارات لضمان إكمال كافة الإجراءات في وقت مبكر. كما شدد على أهمية التنسيق المحكم بين الإدارات التعليمية والمحليات، خاصة فيما يتعلق بتأمين المراكز الامتحانية وتوفير الاحتياجات الأساسية للطلاب والمعلمين على حد سواء.
وأكدت مريم صالح أن هذا الاجتماع يمثل محطة مفصلية في مسار التحضير للامتحانات، حيث يتيح فرصة لمراجعة ما تم إنجازه، وتحديد نقاط الضعف والعمل على معالجتها قبل فوات الأوان. وأشارت إلى أن الجهود الحالية لا تقتصر فقط على الجوانب التنظيمية، بل تمتد لتشمل الجوانب الأكاديمية، بما في ذلك استكمال المناهج الدراسية، وضمان جاهزية الطلاب نفسيًا وعلميًا لخوض الامتحانات في بيئة مستقرة قدر الإمكان.
كما تطرق الاجتماع إلى مناقشة منهج الصف الثاني الثانوي للعام الدراسي الحالي، والذي انطلق في 29 مارس 2026، حيث تم استعراض التحديات التي واجهت انطلاقة العام الدراسي، خاصة في ظل النزوح المستمر لبعض الأسر، وصعوبة انتظام الدراسة في بعض المناطق. وتم التأكيد على ضرورة إيجاد حلول مرنة تتيح للطلاب استدراك ما فاتهم، دون الإخلال بمعايير التقييم الأكاديمي.
وخلص الاجتماع إلى عدد من التوصيات التي ركزت على تعزيز الجاهزية الشاملة، بما في ذلك الإسراع في تجهيز المراكز، وتكثيف عمليات المتابعة الميدانية، وتفعيل غرف الطوارئ لمواجهة أي مستجدات قد تطرأ خلال فترة الامتحانات. كما تم التأكيد على أهمية التواصل المستمر مع أولياء الأمور، وطمأنتهم بشأن سير الترتيبات، في ظل حالة القلق التي تسيطر على كثير من الأسر.
وتحظى امتحانات الشهادة الثانوية في السودان بأهمية خاصة، باعتبارها محطة حاسمة في المسار التعليمي للطلاب، حيث تحدد مستقبلهم الأكاديمي والمهني. ولذلك، فإن أي خلل في تنظيمها قد تكون له تداعيات واسعة، ليس فقط على الطلاب، بل على النظام التعليمي ككل.
رأي تحليلي السودان اليوم :
تعكس هذه التحركات المكثفة من قبل السلطات التعليمية في ولاية الخرطوم محاولة جادة لفرض نوع من الاستقرار المؤسسي في قطاع التعليم، رغم البيئة المضطربة التي تعيشها البلاد. غير أن قراءة أعمق للمشهد تشير إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الجوانب التنظيمية، بل في السياق العام الذي تجري فيه هذه الامتحانات.
فالحرب التي اندلعت في السودان منذ عام 2023 ألقت بظلالها الثقيلة على قطاع التعليم، حيث تضررت آلاف المدارس، وتوقفت العملية التعليمية لفترات طويلة، فيما اضطر ملايين الطلاب إلى النزوح، ما أدى إلى فجوات تعليمية كبيرة بين الطلاب في مختلف المناطق. وفي ظل هذه المعطيات، يصبح الحديث عن “تكافؤ الفرص” مسألة معقدة للغاية، خاصة إذا لم يتم أخذ هذه الفوارق بعين الاعتبار عند تقييم أداء الطلاب.
كما أن التحدي الأمني يظل حاضرًا بقوة، إذ إن استقرار المراكز الامتحانية يعتمد بشكل كبير على الوضع الأمني في المناطق المختلفة، وهو أمر لا يمكن ضمانه بشكل كامل في ظل استمرار التوترات. وبالتالي، فإن أي اضطرابات قد تؤثر بشكل مباشر على سير الامتحانات، أو حتى على قدرة الطلاب على الوصول إلى مراكزهم.
من جانب آخر، تبرز إشكالية الانقسام الإداري والتعليمي، حيث ظهرت في الفترة الأخيرة مؤشرات على وجود ترتيبات تعليمية موازية في بعض المناطق، وهو ما قد يؤدي إلى تعدد الشهادات أو اختلاف معايير التقييم، الأمر الذي يهدد وحدة النظام التعليمي في البلاد على المدى البعيد.
ورغم هذه التحديات، يمكن النظر إلى إصرار السلطات على إقامة الامتحانات كرسالة إيجابية تعكس الرغبة في استمرار مؤسسات الدولة، وعدم الاستسلام للظروف الاستثنائية. غير أن نجاح هذه الخطوة يتطلب أكثر من مجرد استعدادات فنية، بل يحتاج إلى رؤية شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للأزمة.
كما أن الدعم النفسي للطلاب يبرز كعامل حاسم في هذه المرحلة، حيث يعيش كثير منهم تحت ضغوط نفسية كبيرة نتيجة الحرب والنزوح وفقدان الاستقرار، ما قد يؤثر على أدائهم في الامتحانات. وبالتالي، فإن توفير بيئة داعمة نفسيًا لا يقل أهمية عن توفير القاعات والمراقبين.
في المحصلة، تقف امتحانات الشهادة الثانوية لهذا العام عند مفترق طرق حقيقي، حيث تمثل اختبارًا لقدرة الدولة على إدارة قطاع حيوي في ظروف بالغة التعقيد. وإذا ما نجحت هذه التجربة، فقد تشكل نقطة انطلاق لإعادة بناء النظام التعليمي، أما إذا تعثرت، فقد تزيد من تعقيد المشهد، وتعمق الفجوات القائمة بالفعل.
بقلم.. آفاق محمد


