الاختراق الخطير.. نعم بيننا خونة
السودان اليوم _ الاختراق الخطير في السودان.. حرب المعلومات تفتح جبهة جديدة داخل المجتمع

الاختراق الخطير.. نعم بيننا خونة
بقلم: بكري المدني
السودان اليوم _ الاثنين 4 مايو 2026 _ في ظل التعقيدات المتزايدة التي يشهدها المشهد السوداني، لم تعد المواجهات العسكرية التقليدية وحدها هي المحدد الأساسي لمسار الصراع، بل برزت ملامح حرب من نوع مختلف، عنوانها الأبرز “الاختراق الداخلي” وتوظيف المعلومات الدقيقة في توجيه ضربات نوعية. هذه التطورات تفرض قراءة أعمق لطبيعة ما يجري، خاصة في ظل تكرار حوادث الاستهداف التي تعتمد على الطائرات المسيّرة، والتي تكشف في كثير من تفاصيلها عن وجود عناصر مساندة على الأرض.
خلال العام الماضي، وأثناء إحدى الزيارات الاجتماعية ذات الطابع الأهلي في ضواحي مدينة شندي، برزت واقعة لافتة حين تم استهداف موقع إقامة أحد القيادات الأهلية بطائرة مسيّرة في توقيت ليلي، وبطريقة توحي بأن الهدف كان محدداً بدقة مسبقة. اللافت في الحادثة أن الموقع لا يقع ضمن نطاق الأهداف العسكرية أو الاستراتيجية، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول كيفية تحديده واستهدافه بهذا الشكل المباشر.
وبحسب معطيات ميدانية متقاطعة، فإن نمط هذه العمليات يشير إلى اعتماد واضح على ما يُعرف عسكرياً بـ”الربط بين الاستطلاع الأرضي والتوجيه الجوي”، وهي آلية تتطلب وجود معلومات دقيقة تُجمع من داخل المنطقة المستهدفة، ثم تُنقل إلى الجهة المنفذة لتحديد الإحداثيات وضمان إصابة الهدف. هذا النمط لم يكن معزولاً، بل تكرر في مناطق أخرى، من بينها قرى ومواقع ذات طابع مدني، ما يعزز فرضية وجود شبكة معلومات نشطة داخل النسيج المجتمعي.
وفي هذا السياق، تبرز قضية الاختراق كأحد أخطر التحديات التي تواجه السودان في هذه المرحلة، حيث تشير تقارير غير رسمية إلى أن بعض العمليات العسكرية لم تكن لتنجح لولا وجود تسهيلات داخلية، سواء عبر تمرير معلومات حساسة أو من خلال استغلال علاقات اجتماعية وقبلية لتسهيل الوصول إلى الأهداف. هذه المعطيات تعكس تحولاً خطيراً في طبيعة الصراع، من مواجهة مفتوحة إلى حرب تعتمد على الاختراق والتفكيك من الداخل.
كما أن الحديث عن استهداف شخصيات بعينها، وليس مواقع عامة، يعكس توجهاً نحو إضعاف مراكز التأثير الاجتماعي والقيادات المحلية التي تلعب دوراً في التعبئة أو في الحفاظ على تماسك المجتمعات. وهو ما يفسر اختيار توقيتات محددة وطرق تنفيذ دقيقة تهدف إلى تحقيق أقصى تأثير ممكن بأقل تكلفة عسكرية.
رأي تحليلي – السودان اليوم
يرى محللون أن ما يجري في السودان لا يمكن فصله عن التحولات الحديثة في طبيعة الحروب، حيث أصبحت “حرب المعلومات” عنصراً حاسماً في ترجيح كفة أي طرف. وفي الحالة السودانية، يبدو أن هذا النمط قد وجد بيئة خصبة، نتيجة الانقسامات الاجتماعية، والضغوط الاقتصادية، وضعف البنية المؤسسية في بعض القطاعات.
ويشير التحليل إلى أن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط وجود اختراقات، بل قدرة هذه الاختراقات على التغلغل داخل مؤسسات حيوية، وهو ما يهدد بتقويض أي جهود لإعادة الاستقرار. فحين تصبح المعلومة غير آمنة، وتتحول إلى أداة بيد أطراف الصراع، فإن ذلك يفتح الباب أمام مزيد من العمليات الدقيقة التي يصعب التنبؤ بها أو منعها.
كما يؤكد مراقبون أن الاعتماد على الانتماءات القبلية أو المصالح الشخصية في بناء التحالفات قد ساهم في تعقيد المشهد، حيث يمكن استغلال هذه الروابط في تمرير معلومات أو تسهيل عمليات، دون الحاجة إلى بنية استخباراتية تقليدية. وهو ما يجعل المواجهة أكثر تعقيداً، لأنها تتطلب معالجة اجتماعية وسياسية، وليس فقط إجراءات أمنية.
في المقابل، يرى خبراء أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب بناء منظومة متكاملة للأمن المجتمعي، تبدأ من تعزيز الوعي بخطورة تسريب المعلومات، وتمر بإعادة هيكلة بعض المؤسسات، وصولاً إلى وضع ضوابط صارمة للتعامل مع البيانات الحساسة. كما أن استعادة الثقة داخل المجتمع تمثل عاملاً حاسماً في تقليل فرص الاختراق، خاصة في ظل حالة الاستقطاب الحالية.
في المحصلة، تكشف هذه التطورات عن مرحلة جديدة في الصراع السوداني، تتجاوز حدود المواجهة المباشرة إلى صراع خفي يعتمد على المعلومات والاختراقات الدقيقة. ومع استمرار هذا النمط، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقييم شاملة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً على المستوى الاجتماعي والمؤسسي، لضمان عدم تحول هذه الاختراقات إلى عامل دائم يهدد استقرار البلاد على المدى الطويل.