اخبار

‏جريمة القاهرة التي هزت وجدان الشعب السوداني

السودان اليوم

جريمة القاهرة التي هزت وجدان الشعب السوداني

 

كتب د. الباقر عبد القيوم علي – فتاة سودانية في القاهرة تلفظ أنفاسها الأخيرة (مقتولة) على يد صديقتها، خبر صادم تلقيناه بحزن عميق، ومثل هذه الأخبار المؤسفة يهتز لها الوجدان إذا كان ما يزال في هذا الشعب متسع من الوجدان المنهك بالأوجاع والآهات، فإن هذه الحادثة تستحق أن ننظر إليها بعين مختلفة، ومن زاوية تتجاوز عناوين الجريمة وأخبار الحوادث، إلى ما وراءها من ظروفٍ إنسانية قاسية، وأسئلة مؤلمة عن واقع يدفع الناس إلى حواف الهزيمة والانكسار ، وتفرض عليهم واقع يفوق قدرتهم على الإحتمال.

 

‏في ظاهر الأمر نحن أمام جريمة (قتل) ، فيها قاتلة ومقتولة ، ولكن بالتمعن في التفاصيل يقودنا ذلك إلى سؤال أكبر من حجم الجريمة ، فكيف يمكن لخلاف حول مبلغ بسيط أن ينتهي بإزهاق روح إنسان ؟ ، وما الذي يجعل نقاش عادي يتحول إلى لحظة غضب مدمرة ؟ ، فالحقيقة المؤلمة أن هذه الحادثة تحمل في داخلها وجه آخر للحرب والنزوح والفقر والعوز .

‏فالفتاتان لم تكونا تتنازعان على رفاهية ، ولم يكن الخلاف بينهما على ثروة أو مكسب كبير ، كان الحديث يدور حول مبلغ مالي بسيط ، ولكن ضغوط الحاجة أوقظت فيهما مشاعر القهر والحرمان وولدت بينهما الأغبان .

‏العوز ينهك الأعصاب ويستنزف الصبر ويجعل الإنسان أكثر هشاشة أمام الانفعال والضغوطات ، وعندما تتراكم الضغوط يوم بعد يوم ، يصبح العقل أقل قدرة على إحتواء الغضب ، وتصبح لحظات التوتر أخطر مما تبدو عليه في ظاهرها ، ومن المؤكد ان القاتلة نفسها أسيرة ظرف قاسي وشعور متراكم بالضيق والحاجة ، حتى فقدت السيطرة على نفسها في لحظة لم تتخيل أنها ستقودها إلى هذه النهاية .

‏لهذا يصعب النظر إلى هذه الواقعة باعتبارها قصة مجرم وضحية فقط ، فنحن أمام ضحيتين بوجهين مختلفين ، إحداهما فقدت حياتها ، والأخرى كذلك فقدت حياتها وإن بقيت على قيد التنفس ، وبينهما كانت تقف ظروف قاسية صنعتها سنوات من التدهور والتشرد والضيق الاقتصادي الذي دفع آلاف السودانيين إلى حياة تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار .

‏المسؤولية هنا تقع على الدولة في المقام الأول ، ثم على المجتمع ، فنحن مطالبون بأن نسأل أنفسنا ، أين كان سند الأقارب ، وأين كانت شبكات التكافل الوهمية ، وأين يقف ديوان الزكاة من مثل هذه الظروف ، وأين كان الإحساس بمعاناة الآخرين ؟ ، وابن جدودنا زمان الذين وصونا على القيم ، التي نرددها دائماً بألسنتنا فقط ، فكم من الناس الذين يعيشون اليوم على حافة الانهيار النفسي والمادي دون أن يجدوا من يقف جنبهم ويطبطب على رؤوسهم .

‏هذه الحادثة تؤكد لنا أن الفقر هو قوة مدمرة قد تعبث بالعلاقات الإنسانية وتدفع الناس إلى قرارات لم يكونوا ليتخذوها في الظروف الطبيعية ، وما حدث في القاهرة هو جرس إنذار يذكرنا بأن المجتمع الذي يترك أفراده يواجهون العوز وحدهم سيدفع فاتورة ذلك من أمنه الإنساني وتماسكه الأخلاقي .

‏الآن رحلت فتاة إلى الأبد ، ودخلت الأخرى في نفق مظلم لن تخرج منه مهما حاولت ، وبيقي هنالك سؤال مهم ومعلق في رقابنا جميعاً : كم من المآسي التي نصنفها بأنها جرائم ، بينما هي في الحقيقية لها جذور تمتد في عمق أرض الحاجة والإهمال والخذلان .

‏نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين

‏elbagirabdelgauom@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى