انطلاق المصارف السودانية.. بوابة التعافي الاقتصادي
اقتصاد_ السودان اليوم :
أعلنت الحكومة السودانية في خطوة مفصلية خلال الأيام الماضية عن إعادة تشغيل جميع فروع المصارف في مختلف ولايات البلاد، في خطوة تهدف إلى إعادة النشاط المالي والاقتصادي بعد فترة طويلة من التعطل وتأثيرات الصراع الأخير على القطاع المصرفي. ويأتي هذا القرار في إطار رؤية استراتيجية تهدف إلى تعزيز حركة التمويل وتسهيل الخدمات البنكية أمام المواطنين، بالإضافة إلى دعم القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعات الصغيرة والمتوسطة، التي تُعدّ ركيزة أساسية لتحسين الدخل الوطني وتنشيط الاقتصاد المحلي.
وقد صرح عضو مجلس السيادة الانتقالي، الفريق إبراهيم جابر، بأن الحكومة وجهت المصارف لتبسيط إجراءات التمويل، مع التركيز على المشروعات الزراعية والصناعية الصغيرة، باعتبارها محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي ووسيلة مباشرة لتحسين دخل المواطنين في القرى والمدن على حد سواء. وأضاف أن الهدف من هذه الإجراءات هو مواجهة محاولات تعطيل الإنتاج وتحقيق استقرار نسبي في الاقتصاد، بما يعزز الثقة بين المواطنين والمؤسسات المالية ويخلق بيئة محفزة للاستثمار المحلي والخارجي.
وتشهد الفترة الحالية دعماً مكثفاً من بنك السودان المركزي، الذي أصدر توجيهات لتسهيل عمليات الإيداع والسحب وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع التركيز على تحسين السيولة النقدية المتاحة للبنوك لتتمكن من تلبية احتياجات المواطنين والشركات على حد سواء. ويأتي هذا في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة النشاط المصرفي بعد فترة شهدت فيها البلاد تعطل العديد من الخدمات المالية بسبب الظروف الاقتصادية والأمنية، والتي أثرت بشكل مباشر على الحركة التجارية والأسواق المحلية.
ويرى خبراء الاقتصاد أن عودة المصارف السودانية للعمل بشكل كامل تعتبر مؤشراً مهماً على بداية مرحلة جديدة في الاقتصاد الوطني، حيث تسهم هذه الخطوة في استعادة الثقة بين البنوك والعملاء، فضلاً عن تحفيز النشاط التجاري وإعادة تشغيل عجلة الإنتاج التي تعطلت بسبب تراجع التمويل وصعوبة الحصول على السيولة النقدية. وأشاروا إلى أن تعزيز قدرة المواطنين على الوصول إلى القروض البنكية والمشروعات التمويلية سيخلق فرصة حقيقية لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد متنامٍ، خصوصاً في ظل الظروف الراهنة التي تتطلب تحفيز كل القطاعات الإنتاجية.
من جانب آخر، يترقب السوق السوداني تأثير هذه الخطوة على أسعار الصرف المحلية، حيث حافظ الدولار الأمريكي على سعره في السوق الموازي عند نحو 3750 جنيهاً، في حين يشهد الجنيه السوداني استقراراً نسبياً مقابل العملات الأجنبية الأخرى، وهو ما يعكس التوازن الجزئي بين العرض والطلب في الأسواق المالية. هذا الاستقرار النقدي سيكون عاملاً مسهماً في تحقيق أهداف الحكومة الاقتصادية، خصوصاً فيما يتعلق بتمويل المشاريع الإنتاجية الزراعية والصناعية، التي تعتمد بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين واستقرار العملة الوطنية.
وفيما يتعلق بالزراعة، أشار إبراهيم جابر إلى أن تبسيط إجراءات التمويل سيتيح للمزارعين الحصول على قروض ميسرة لشراء المستلزمات الزراعية الضرورية، بما في ذلك البذور والأسمدة والمعدات الزراعية، ما سينعكس إيجابياً على زيادة الإنتاج المحلي وتحقيق الأمن الغذائي في البلاد. كما ستستفيد المشاريع الصغيرة والمتوسطة من تسهيلات مصرفية تمكنها من توسيع أعمالها، وخلق فرص عمل جديدة للشباب، وتعزيز دور القطاع الخاص في عملية التعافي الاقتصادي الشامل.
وعلى صعيد آخر، يرى المحللون الاقتصاديون أن هذه الخطوة تمثل استجابة مباشرة لمتطلبات الإصلاح الاقتصادي التي طال انتظارها، والتي تشمل تحسين بيئة الأعمال، وتسهيل إجراءات التمويل، وزيادة الشفافية في التعاملات المصرفية. كما أنها توفر فرصة لإعادة بناء الثقة بين الحكومة والمؤسسات المالية والمواطنين، وهو عنصر أساسي لأي عملية تعاف اقتصادي ناجحة. وتأتي هذه الإجراءات بعد دراسة دقيقة لتجارب اقتصادية دولية مشابهة، حيث أثبتت الخطوات المكثفة لإعادة تشغيل البنوك وتسهيل التمويل قدرتها على تعزيز النمو الاقتصادي وتقليل معدلات البطالة وتحسين مستوى المعيشة.
وفي ظل هذه المعطيات، يتوقع المراقبون أن تشهد الفترة المقبلة نشاطاً متزايداً في الأسواق المحلية، مع ارتفاع الطلب على السلع والخدمات نتيجة لتحسن القدرة الشرائية للمواطنين، وتعافي بعض القطاعات الاقتصادية التي تأثرت سلباً خلال الفترة الماضية. كما يُنتظر أن تسهم هذه الخطوة في إعادة حركة الاستثمارات المحلية والخارجية، لا سيما في قطاع الزراعة والصناعات الغذائية، وهو ما سيعزز من فرص نمو الاقتصاد الوطني ورفع معدلات الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، تؤكد الحكومة السودانية على التزامها بالعمل على تهيئة بيئة مناسبة للاستثمار وتنمية القطاعات الإنتاجية، من خلال دعم القطاع المصرفي وتمكينه من لعب دوره الأساسي في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وضمان وصول الخدمات المصرفية لكل المواطنين، سواء في المدن الكبرى أو المناطق الريفية النائية. كما تهدف هذه السياسات إلى تعزيز الاستقرار المالي والنقدي في البلاد، بما يخلق أرضية صلبة لتحقيق التعافي الاقتصادي المستدام.
ويعد استمرار العمل على تحسين البنية التحتية المصرفية جزءاً من استراتيجية شاملة لإعادة الإعمار، تشمل تحديث أنظمة الدفع الإلكترونية، وتسهيل العمليات المصرفية الرقمية، وتوسيع نطاق الخدمات المالية لتشمل كل المواطنين، بما في ذلك الفئات الأكثر احتياجاً. كما تم التوجه نحو دمج القطاع الخاص في عملية التنمية الاقتصادية، من خلال تشجيع المشاريع المبتكرة وتمويل الأفكار الإنتاجية الجديدة، بما يخلق فرص عمل مستدامة ويسهم في تقليل الفقر وتحسين مستوى المعيشة.
في المجمل، فإن إعادة تشغيل المصارف السودانية ليست مجرد خطوة تقنية لتسهيل المعاملات المالية، بل هي جزء من خطة استراتيجية واسعة تهدف إلى تعزيز التعافي الاقتصادي، وإعادة الثقة في النظام المالي، وتمكين المواطنين من الوصول إلى التمويل اللازم لدعم مشاريعهم الإنتاجية، مع التركيز على القطاعات الحيوية مثل الزراعة والصناعة الصغيرة والمتوسطة. ومع استمرار هذه الإجراءات، من المتوقع أن تشهد البلاد تحسناً تدريجياً في مؤشرات النمو الاقتصادي، واستقراراً أكبر في أسعار الصرف، وزيادة في فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين في جميع أنحاء السودان.
