هل تكرر السعودية سيناريو اليمن في السودان؟
السودان اليوم _ في ظل التعقيدات المتصاعدة التي تشهدها الساحة السياسية والعسكرية في السودان، تتزايد التساؤلات داخل الأوساط الإقليمية والدولية حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه السعودية في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستتعامل مع الأزمة السودانية بذات الأدوات التي استخدمتها في ملف اليمن، أم أن لكل ساحة حساباتها الخاصة ومعادلاتها المختلفة.
الحديث عن “تكرار السيناريو اليمني” لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى قراءة مقارنة للمشهدين، حيث تتداخل في الحالتين اعتبارات الأمن القومي، والمصالح الاستراتيجية، والتنافس الإقليمي، إضافة إلى الصراع على النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومع اشتداد المواجهات داخل السودان وتزايد الضغوط الإنسانية والسياسية، برزت تحليلات تتساءل عما إذا كانت الرياض ستكتفي بالدور الدبلوماسي، أم قد تنخرط في ترتيبات أعمق قد تعيد تشكيل المشهد السياسي هناك.
في التجربة اليمنية، دخلت السعودية في تحالف عسكري واسع عام 2015، معلنة أن تدخلها يهدف إلى دعم الشرعية ومنع تمدد نفوذ قوى إقليمية على حدودها الجنوبية. غير أن مسار الحرب وتعقيداتها كشف عن تعدد الأجندات داخل التحالف، وتباين الحسابات بين الأطراف الفاعلة، وعلى رأسها الإمارات التي لعبت دوراً محورياً في مسارات ميدانية وسياسية مختلفة داخل اليمن. هذا التداخل خلق واقعاً مركباً امتد لسنوات، قبل أن تميل الكفة نحو التهدئة والمسار السياسي.
أما في الحالة السودانية، فإن المشهد يبدو أكثر تشابكاً، لكنه يختلف في عناصر جوهرية. فالسودان لا يمثل عمقاً حدودياً مباشراً للسعودية كما هو الحال مع اليمن، لكنه يظل عنصراً استراتيجياً مهماً في معادلة أمن البحر الأحمر، خاصة مع تصاعد التنافس الدولي على الموانئ والممرات البحرية. كما أن الخرطوم ترتبط بعلاقات تاريخية ومصالح متبادلة مع الرياض، سواء على مستوى العمالة، أو الاستثمارات الزراعية، أو التنسيق الأمني والسياسي.
التحليلات التي تناولت هذا الملف تشير إلى أن السعودية تنظر إلى استقرار السودان باعتباره ضرورة إقليمية، ليس فقط لأسباب إنسانية أو سياسية، بل لأن أي فراغ طويل الأمد قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية أوسع. وفي هذا السياق، يبرز دور دول أخرى في المعادلة، من بينها مصر، التي تعتبر السودان امتداداً مباشراً لأمنها القومي، ما يجعل أي تحرك في الساحة السودانية محكوماً بحسابات توازن دقيقة بين العواصم المؤثرة.
وعلى عكس ما جرى في اليمن، لا توجد مؤشرات حتى الآن على توجه سعودي نحو خيار عسكري مباشر في السودان. بل إن التحركات الظاهرة تميل أكثر نحو استضافة مبادرات حوار، أو دعم مسارات تفاوضية بين الأطراف المتنازعة، في محاولة لاحتواء النزاع ومنع تحوله إلى صراع طويل الأمد. ويعزز هذا التوجه إدراك سعودي بأن البيئة الدولية الحالية أقل قابلية لتقبل تدخلات عسكرية واسعة، خاصة في ظل التركيز العالمي على تسويات سياسية للنزاعات الممتدة.
من ناحية أخرى، يرى مراقبون أن المقارنة بين اليمن والسودان يجب أن تأخذ في الاعتبار طبيعة الفاعلين المحليين. ففي اليمن كان الانقسام الحاد بين الحكومة المعترف بها دولياً وحركة مسلحة ذات مشروع سياسي واضح المعالم، بينما في السودان يتسم الصراع بطابع أكثر تعقيداً، مع تشابك عسكري وسياسي واجتماعي يختلف في بنيته وأسبابه. كما أن التركيبة القبلية والجغرافية في السودان تضيف بُعداً خاصاً لأي محاولة لإعادة رسم التوازنات.
كذلك، فإن السياق الإقليمي شهد تغيرات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، أبرزها توجه السعودية نحو تخفيف حدة التوترات الإقليمية والانفتاح على تسويات سياسية، بما في ذلك إعادة العلاقات مع أطراف كانت تُعد خصوماً سابقاً. هذا التحول الاستراتيجي قد يجعل من الصعب تصور تكرار تجربة تدخل عسكري واسع النطاق كما حدث في اليمن، خاصة إذا لم يكن هناك تهديد مباشر يمس الأمن السعودي.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن الساحة السودانية تمثل مجالاً لتقاطعات إقليمية، حيث تُتهم أطراف بدعم قوى بعينها، سواء سياسياً أو لوجستياً. مثل هذه الاتهامات، حتى وإن لم تثبت بشكل قاطع، تعكس حجم التنافس على التأثير في مستقبل السودان. غير أن الرياض، وفق تقديرات عديدة، تحاول تجنب الانجرار إلى استقطاب حاد قد يعقد المشهد، مفضلة الحفاظ على خطوط تواصل مع مختلف الأطراف، مع التشديد على وحدة السودان ومؤسساته.
كما أن الملف الاقتصادي يلعب دوراً مهماً في حسابات جميع الأطراف. فالسودان يمتلك موارد زراعية ومعدنية كبيرة، فضلاً عن موقع استراتيجي يطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. استقرار هذه الدولة يفتح الباب أمام استثمارات طويلة الأجل، بينما استمرار الحرب يهدد بتآكل البنية التحتية وتفكك مؤسسات الدولة، وهو ما لا يخدم مصالح أي شريك إقليمي يبحث عن بيئة آمنة للاستثمار.
ويرى محللون أن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت السعودية ستكرر سيناريو اليمن في السودان، بل كيف ستوازن بين مصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية، وبين الحاجة إلى تجنب التورط في نزاع مفتوح. فالتجربة اليمنية كانت مكلفة من حيث الزمن والموارد والتعقيدات السياسية، ما قد يدفع صناع القرار في الرياض إلى اعتماد مقاربة مختلفة تقوم على الوساطة، والدعم الإنساني، والضغط الدبلوماسي.
من جهة أخرى، فإن تطورات الميدان السوداني نفسها ستحدد إلى حد بعيد شكل الأدوار الإقليمية. فإذا اتجهت الأطراف المحلية نحو تسوية سياسية شاملة، فإن الدور السعودي قد يتركز في دعم إعادة الإعمار والمصالحة. أما إذا طال أمد الصراع، فقد تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية لإيجاد ترتيبات أكثر حسماً، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، لكنها تظل محكومة بسقف المصالح الوطنية لكل دولة.
في المحصلة، تبدو المقارنة بين التجربتين اليمنية والسودانية مفهومة من زاوية تشابه البيئة الإقليمية، لكنها لا تعني بالضرورة أن المسار سيتكرر. فلكل ملف خصوصيته، ولكل مرحلة سياقها السياسي والاستراتيجي. والسودان، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته، يفرض معادلة مختلفة قد تدفع جميع الفاعلين إلى البحث عن حلول سياسية أكثر من الخيارات الصدامية.
ويبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات عدة، في انتظار ما ستسفر عنه الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية، وسط تطلع السودانيين إلى استقرار يعيد للدولة عافيتها، ويضع حداً لمعاناة إنسانية طالت أمدها. وبين التحليلات المتباينة والقراءات الاستشرافية، يظل السؤال قائماً حول شكل الدور السعودي وحدوده، دون أن يعني ذلك حتمية تكرار أي سيناريو سابق بحذافيره.
المصدر: صحيفة الزول الاخبارية










