إعلام.. تقزيم الأحلام
تقليص الطموحات الإعلامي.. كيف يسجن الخطاب الوطني خيال المستقبل في السودان
إعلام.. تقزيم الأحلام
السودان اليوم | السبت 14 مارس 2026 _ بقلم عثمان ميرغني
للأسف، ما يزال جزء من المحتوى الإعلامي في السودان يسهم – من حيث يدري أو لا يدري – في تقزيم الأحلام الوطنية، وتضييق المساحة التي ينبغي أن يتحرك فيها الخيال العام حين يتعلق الأمر بمستقبل هذا البلد. كأن البعض يريد أن يبقى السودان محصورًا داخل إطار ضيق من التوقعات، لا يتجاوز حدود البقاء على قيد الحياة، بينما العالم من حولنا يندفع إلى الأمام بخطوات متسارعة.
أحيانًا أشعر أن الوطن يُعامل كعصفور صغير داخل قفص، يكفيه – في نظر البعض – قليل من الماء وبعض الحبوب ليبقى حيًا. لكن هل هذه هي الصورة التي يستحقها بلد مثل السودان؟ بلد يملك أراضي زراعية شاسعة، وثروات طبيعية متعددة، وطاقات بشرية كبيرة، وموقعًا جغرافيًا مميزًا كان يمكن أن يجعله في مقدمة الدول الصاعدة لو توفرت الرؤية والإدارة.
في الفضاء العام، كثيرًا ما ألاحظ ظاهرة لافتة: كلما تحدث أحد عن مستقبل كبير يليق بالسودان، أو طرح تصورًا لطموحات واسعة تتناسب مع موارد البلاد، تهب موجة من الاعتراضات والتشكيك. فجأة يظهر من يقول إن الواقع لا يسمح بهذه الأحلام، وأن الإمكانات محدودة، وأن الأفضل أن نخفض سقف التوقعات ونرضى بالقليل.
كأن البعض يريد أن يقنعنا بفكرة قديمة تقول إن “عشة صغيرة تكفينا”، وأن الطموح الكبير نوع من الترف الفكري الذي لا يناسب ظروفنا. لكن المشكلة في هذا المنطق أنه يحول الواقع المؤقت إلى قدر دائم، ويجعل الأزمات التي نعيشها اليوم معيارًا لتحديد مستقبل الأجيال القادمة.
عندما نقول إن ولاية الخرطوم – على سبيل المثال – تتحرك ببطء شديد في بعض ملفات الخدمات والتنمية، كأنها تركب على ظهر سلحفاة عرجاء، فإن الهدف من هذا الوصف ليس الإساءة لشخص بعينه أو جرح مشاعر مسؤول. القضية هنا ليست أشخاصًا، بل طريقة تفكير وأسلوب إدارة.
النقد في مثل هذه الحالات ينبغي أن يُفهم في سياقه الصحيح: هو دعوة لمراجعة المنهج، وليس هجومًا على الأفراد. العالم اليوم لا ينتظر أحدًا، والدول التي سبقتنا لم تفعل ذلك لأنها تمتلك موارد خارقة، بل لأنها امتلكت رؤية واضحة، وإدارة قادرة على تحويل الأحلام إلى خطط، والخطط إلى واقع.
من الطبيعي أن يكون لكل إنسان سقف طموحاته الخاصة التي يحددها خياله وتجربته. لكن عندما نتحدث عن وطن كامل، فإن المسألة تختلف تمامًا. الطموح الوطني لا ينبغي أن يكون أسيرًا لواقع اليوم، بل يجب أن يُبنى على الإمكانات الكامنة التي يمكن استثمارها في المستقبل.
السودان ليس بلدًا فقير الإمكانات كما يظن البعض. على العكس تمامًا، هو من أكثر الدول تنوعًا في الموارد الطبيعية والبشرية. المشكلة ليست في قلة الإمكانات، بل في غياب الإدارة الرشيدة التي تستطيع توظيف هذه الإمكانات بطريقة صحيحة.
انظروا حولكم في العالم. هناك دول كثيرة كانت قبل عقود قليلة أقل منا في الموارد والإمكانات، لكنها استطاعت أن تحقق قفزات هائلة في الاقتصاد والتعليم والبنية التحتية. لم يحدث ذلك صدفة، بل نتيجة رؤية واضحة وإدارة واعية أدركت أن الطموح الكبير هو نقطة البداية لأي مشروع نهضوي.
من الحكمة أن توسع الحكومات دائرة التفكير، وأن تفتح أبوابها أمام الأفكار الجديدة. فالعقول السودانية ليست محصورة داخل مكاتب الخدمة المدنية فقط، بل هي منتشرة في الجامعات ومراكز البحث وقطاعات الأعمال وحتى في المهجر.
كثيرًا ما تكون المؤسسات الحكومية محكومة بقيود الوظيفة ومتطلبات البقاء في المنصب، وهو أمر مفهوم إلى حد ما. لكن إذا أردنا التفكير بجدية في مستقبل مختلف، فلا بد من الاستماع إلى أصوات خارج هذه الدائرة الضيقة.
الحكومات الذكية لا تخشى النقد، بل تعتبره مصدرًا مهمًا للتصحيح والتطوير. أما الحكومات التي تضيق بالنقد وتتعامل معه كتهديد، فإنها في الغالب تغلق على نفسها أبواب التعلم والتجديد.
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة في الخطاب العام، ثقافة تشجع على الحلم بدلاً من السخرية منه، وتفتح الباب أمام الطموح بدلاً من إغلاقه بحجة الواقعية.
الواقعية الحقيقية ليست في خفض سقف الطموحات، بل في بناء الطريق الذي يقود إليها خطوة بعد خطوة. الأحلام الكبيرة لا تتحقق دفعة واحدة، لكنها تبدأ دائمًا بفكرة جريئة ترفض الاستسلام لقيود اللحظة الراهنة.
السودان بلد كبير، ليس فقط في مساحته الجغرافية، بل في تاريخه وإمكاناته وقدرات شعبه. ومن الظلم أن يُختزل هذا البلد في صورة باهتة من الطموح المحدود والإيقاع البطيء.
شعب السودان يستحق أكثر من ذلك بكثير. يستحق إدارة تفكر بحجم هذا الوطن، وخيالًا سياسيًا واقتصاديًا قادرًا على تحويل الإمكانات إلى إنجازات، والأحلام إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية.
بلدنا أكبر مما نتصور أحيانًا، وشعبنا يستحق مستقبلًا أوسع من حدود هذا الأفق الضيق الذي نحاول أن نحصره فيه.
حساب عثمان ميرغني علي منصة X اضغط هنا