مقالات

هل البرهان إسلامي فعلاً؟ شهادة من داخل المؤسسة العسكرية تعيد فتح الملف المثير للجدل

السودان اليوم

هل البرهان إسلامي فعلاً؟ شهادة من داخل المؤسسة العسكرية تعيد فتح الملف المثير للجدل

السودان اليوم _ الخميس 19 مارس 2026

بقلم: عميد م / الصوارمي حسن سعد

في وقت تتصاعد فيه الأسئلة حول خلفيات رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وتزداد حدة الجدل بشأن علاقته بالحركة الإسلامية وامتداداتها السياسية، يخرج العميد المتقاعد د. الصوارمي حسن سعد بشهادة شخصية تحمل طابعاً توثيقياً وتحليلياً في آنٍ واحد، مستنداً إلى تجربة مباشرة جمعته بالبرهان في بدايات التسعينيات داخل المؤسسة العسكرية.

يروي الصوارمي تفاصيل فترة خدمتهما المشتركة في شرق السودان، وتحديداً في معهد المشاة بجبيت خلال عامي 1994 و1995، حيث كان البرهان برتبة رائد، بينما كان هو برتبة ملازم أول. ويؤكد، بشكل قاطع، أنه لم يلحظ طوال تلك الفترة أي مؤشرات على انتماء البرهان إلى جماعة الإخوان المسلمين أو ما يُعرف بالحركة الإسلامية، مشدداً على أن تلك المرحلة سبقت حتى تأسيس حزب المؤتمر الوطني، الذي لم يظهر إلى الوجود إلا في العام 1998.

هذه الشهادة تأتي رداً غير مباشر على ما أورده القيادي الإسلامي أمين حسن عمر، والذي أشار في وقت سابق إلى أن البرهان تولى رئاسة المؤتمر الوطني في إحدى المحليات بدارفور، وهو ما فتح باباً واسعاً للتساؤلات حول حقيقة علاقة الرجل بالحزب الذي حكم السودان لثلاثة عقود.

غير أن الصوارمي لا ينفي الواقعة بشكل مطلق، بل يعيد تفسيرها من زاوية مختلفة، موضحاً أن شغل بعض العسكريين لمناصب داخل المؤتمر الوطني خلال فترة حكم الإنقاذ لم يكن بالضرورة تعبيراً عن انتماء سياسي أو قناعة أيديولوجية، بل كان في كثير من الأحيان “تكليفاً إدارياً” فرضته طبيعة النظام القائم آنذاك، حيث تداخلت مؤسسات الدولة مع الحزب الحاكم بصورة شبه كاملة.

ويشير في هذا السياق إلى أن القوانين العسكرية كانت، ولا تزال، تمنع الضباط من الانخراط في العمل الحزبي، وهو ما يجعل أي دور سياسي يُسند إليهم مرتبطاً بمهامهم الدستورية وليس بانتماء تنظيمي دائم. وبحسب هذا الطرح، فإن تولي البرهان لأي موقع داخل المؤتمر الوطني – إن صح – كان مؤقتاً وينتهي بانتهاء التكليف وعودته إلى المؤسسة العسكرية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه أحد كوادر الحزب أو المنتمين إليه.

هذا التفسير يسلط الضوء على طبيعة المرحلة التي حكم فيها نظام الإنقاذ البلاد، حيث لم تكن العلاقة بين الدولة والحزب واضحة الحدود، بل كانت أقرب إلى الاندماج الكامل، الأمر الذي أوجد واقعاً سياسياً معقداً يصعب فيه الفصل بين الانتماء الحقيقي والتكليف الوظيفي.

رأي تحليلي – السودان اليوم:

ما يطرحه الصوارمي، رغم أهميته، لا يُغلق باب الجدل بقدر ما يعمّقه. فالقضية لم تعد مجرد بحث في “الانتماء التنظيمي” للبرهان، بل تحولت إلى تساؤل أوسع حول طبيعة علاقته الحالية بالقوى التي كانت تمثل العمود الفقري للنظام السابق.

في الواقع، يبدو أن جزءاً من الالتباس نابع من التحولات التي شهدها المشهد السياسي السوداني بعد سقوط نظام الإنقاذ، حيث لم تعد التحالفات تُبنى على أساس عضوية حزبية صريحة، بل على توازنات القوة والمصالح والاصطفافات المرحلية. ولهذا، فإن حالة “القبول” أو حتى “الدعم غير المعلن” الذي يحظى به البرهان من بعض دوائر الإسلاميين، لا يمكن تفسيرها فقط عبر بوابة الانتماء القديم، بل ربما ترتبط بمواقف سياسية راهنة أو تقاطعات في الرؤية حول إدارة المرحلة الانتقالية.

كما أن تجربة السودان مع تداخل العسكري والسياسي لعقود طويلة تجعل من الصعب التعامل مع هذه القضايا بمنطق أبيض أو أسود، فالكثير من القيادات العسكرية التي شغلت مواقع سياسية خلال فترة الإنقاذ وجدت نفسها – بحكم الواقع – جزءاً من منظومة حكم، سواء عن قناعة أو بحكم الوظيفة.

بناءً على ذلك، فإن السؤال الأكثر دقة لم يعد: “هل البرهان كوز أم لا؟”، بل: ما هو موقعه الحالي في خريطة الصراع السياسي؟ ومن هم حلفاؤه الحقيقيون على الأرض؟

في المحصلة، تبقى شهادة الصوارمي إضافة مهمة للنقاش، لكنها لا تمثل الكلمة الفصل، بل مجرد زاوية من زوايا متعددة لفهم شخصية معقدة تتحرك في سياق سياسي أكثر تعقيداً، حيث تختلط الوقائع بالتفسيرات، والتاريخ بالواقع، في مشهد لا يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى