هل تُستهدف العدل والمساواة فعلاً؟
السودان اليوم _ بين الضجيج والحقيقة: لماذا تتعرض حركة العدل والمساواة لضغوط متصاعدة في هذا التوقيت؟

هل تُستهدف العدل والمساواة فعلاً؟
بقلم: معتصم أحمد صالح
أمين الشؤون السياسية
السودان اليوم _ الثلاثاء 5 مايو 2026 _ في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ السودان، تتداخل فيها مسارات الحرب مع محاولات إعادة بناء الدولة، يطفو على السطح مجددًا الجدل حول حركة العدل والمساواة السودانية، وسط موجة من الروايات المتضاربة التي تتحدث عن تحركات عسكرية مزعومة أو توترات داخل المشهد السياسي والعسكري.
غير أن قراءة هذه التطورات بمعزل عن السياق العام تجعل الصورة ناقصة، إذ إن ما يجري اليوم لا ينفصل عن حالة أوسع من إعادة تشكيل موازين القوى، سواء على مستوى الميدان أو على مستوى الفضاء الإعلامي، حيث باتت المعلومات – الصحيحة والمضللة على حد سواء – جزءًا من أدوات التأثير وإدارة الصراع.
حملات متزامنة وسياق مضطرب
خلال الفترة الأخيرة، تصاعدت وتيرة الأخبار غير الموثقة التي تستهدف أطرافًا متعددة في المشهد السوداني، مع تركيز ملحوظ على حركة العدل والمساواة، في وقت يشهد فيه السودان تحولات ميدانية مرتبطة بتراجع نفوذ المليشيات المسلحة في عدد من الجبهات، وعودة تدريجية للحياة المدنية في بعض المناطق.
هذا التزامن يثير تساؤلات مشروعة حول الدوافع الحقيقية وراء هذه الحملات، خاصة وأن مصادرها تتعدد بين أطراف مرتبطة بالصراع المباشر، وأخرى ذات أجندات سياسية تسعى لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم مصالحها في مرحلة ما بعد الحرب.
استهداف سياسي أم إعادة تموضع؟
إن استهداف الحركة في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن موقعها داخل معادلة الصراع، فهي ليست مجرد طرف عسكري، بل مكون سياسي شارك في مسارات متعددة تتعلق بإدارة الدولة خلال الحرب، وأسهم في دعم عدد من الجهود المشتركة مع مؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن محاولات التشكيك في دورها أو تصويرها كعامل اضطراب، تبدو أقرب إلى محاولات لإعادة توزيع النفوذ السياسي، أكثر من كونها توصيفًا موضوعيًا للواقع الميداني.
كما أن ربط هذه الحملات بشخصيات قيادية داخل الحركة، وعلى رأسها جبريل إبراهيم، يفتح الباب أمام قراءة أخرى تتعلق بالبعد الاقتصادي للصراع، خاصة وأن وزارة المالية تمثل أحد أهم مراكز إدارة الدولة في ظل اقتصاد حرب معقد.
الاقتصاد تحت ضغط الحرب
لا يمكن التعامل مع الأداء الاقتصادي في السودان بمعايير الاستقرار التقليدية، فالدولة تعمل في ظروف استثنائية أثرت بشكل مباشر على الإيرادات، وأضعفت قطاعات إنتاجية رئيسية، وفرضت تحديات غير مسبوقة على مؤسسات الدولة.
ورغم ذلك، فإن استمرار الحد الأدنى من الإدارة المالية والمؤسسية يعكس درجة من الصمود، حتى وإن شاب الأداء بعض القصور أو التحديات. وهنا تكمن خطورة الخطاب الذي يتجاهل السياق، ويقارن بين واقع الحرب ومتطلبات السلم وكأنهما حالة واحدة.
بين الوقائع والروايات
على المستوى الميداني، تشير المعطيات إلى استمرار مشاركة حركة العدل والمساواة ضمن منظومة التنسيق العسكري الوطني، إلى جانب القوات المسلحة وقوى أخرى، في إطار ما يُعرف بالجهد المشترك، الذي يهدف إلى دعم استقرار الدولة ومنع انهيار مؤسساتها.
وفي المقابل، فإن الخطاب الذي يتحدث عن قطيعة أو صدام داخل هذا الإطار، لا يجد ما يؤكده بشكل واضح على الأرض، بل يبدو أقرب إلى قراءات سياسية أو إعلامية لا تستند إلى معطيات ميدانية دقيقة.
مخاطر تضخيم الشائعات
إن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس فقط الصراع العسكري، بل القدرة على تحويل المعلومات إلى أداة لإعادة إنتاج الاستقطاب. فالشائعات، حين تُضخ بكثافة، تصبح جزءًا من الواقع السياسي حتى لو لم تكن صحيحة، وهو ما يهدد بإضعاف الثقة بين مكونات المشهد الوطني.
كما أن الخطاب القائم على الجهوية أو التخوين لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام، في وقت يحتاج فيه السودان إلى أعلى درجات التماسك لتجاوز تداعيات الحرب.
مرحلة إعادة التوازن
إن ما يجري اليوم في السودان هو في جوهره صراع على مرحلة ما بعد الحرب، وليس فقط على نتائجها العسكرية. فإعادة ترتيب المشهد السياسي والاقتصادي باتت هدفًا واضحًا لعدد من الأطراف، وهو ما يفسر حدة الخطاب الإعلامي وتصاعد الحملات المتبادلة.
لكن الثابت أن أي عملية انتقالية ناجحة لا يمكن أن تُبنى على الإقصاء أو التشويه، بل على التفاهم والشراكة وإعادة بناء الثقة بين مكونات الدولة.
رأي تحليلي – موقع السودان اليوم
يرى موقع السودان اليوم أن تصاعد الحملات الإعلامية والسياسية ضد حركة العدل والمساواة يأتي في إطار مرحلة إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل السودان، مع اقتراب البلاد من لحظة سياسية جديدة تتطلب إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين الأساسيين.
ويشير التحليل إلى أن استهداف حركة العدل والمساواة السودانية، وكذلك التركيز على شخصيات مثل جبريل إبراهيم، يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية العاملين العسكري والاقتصادي في تحديد شكل السلطة المستقبلية، خاصة في ظل تراجع مركزية القوة التقليدية بفعل الحرب.
كما يحذر الموقع من أن استمرار توظيف الإعلام في إدارة الصراع السياسي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها إضعاف الجبهة الداخلية، وتعطيل فرص التوافق الوطني، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إعادة بناء الثقة بين مكوناتها المختلفة.
ويخلص التحليل إلى أن المرحلة الحالية ليست مرحلة حسم إعلامي أو سياسي بقدر ما هي مرحلة اختبار لقدرة القوى السودانية على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التوازن، ومن إدارة الأزمة إلى بناء الاستقرار.