شهادة امرأة من “عبري” تهزّ الولاية الشمالية.. اتهامات للشرطة وتوترات على خلفية احتجاجات الكهرباء
السودان اليوم
شهادة امرأة من “عبري” تهزّ الولاية الشمالية.. اتهامات للشرطة وتوترات على خلفية احتجاجات الكهرباء
السودان اليوم _ الأحد 24 مايو 2026 _ في تطور جديد أثار جدلاً واسعاً في الولاية الشمالية، تداولت منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية مقطع فيديو يوثق شهادة امرأة من منطقة “عبري” بمحلية حلفا، تحدثت فيه عن الأحداث التي رافقت الاحتجاجات الشعبية الأخيرة التي خرجت للمطالبة بتحسين خدمة الكهرباء، في ظل انقطاعات متكررة أثرت بشكل مباشر على حياة المواطنين ومعيشتهم اليومية.
وبحسب المقطع المتداول، الذي لقي انتشاراً واسعاً وتفاعلاً كبيراً بين المستخدمين، عبّرت السيدة عن استيائها من طريقة تعامل القوات الأمنية مع المتظاهرين، مؤكدة أن الاحتجاجات التي خرجت في الأساس كانت ذات طابع سلمي، وتهدف إلى إيصال رسالة واضحة للجهات المختصة بضرورة التدخل العاجل لحل أزمة الكهرباء التي ظلت تتفاقم في المنطقة خلال الفترة الماضية.
وقالت المتحدثة في شهادتها، التي بدت عليها علامات الانفعال والحزن، إن الأحداث التي شهدتها “عبري” لم تكن مجرد تفريق احتجاجات في الشارع فقط، بل—وفق روايتها—تجاوزت ذلك إلى ملاحقات لبعض المواطنين داخل الأحياء السكنية، وهو ما اعتبرته سلوكاً غير مألوف في التعامل مع المواطنين، خاصة في ظل أن المطالب التي خرج من أجلها الناس ترتبط بخدمة أساسية تمس حياتهم اليومية.
وأضافت أن دخول القوات إلى بعض الأحياء ومحاولة تفريق التجمعات السلمية خلق حالة من الخوف والارتباك وسط السكان، خصوصاً النساء والأطفال، مشيرة إلى أن ما جرى ترك أثراً نفسياً واجتماعياً واضحاً في المجتمع المحلي، الذي يعيش أصلاً تحت ضغط مستمر بسبب أزمة الكهرباء وتداعياتها على الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية والخدمية.
وتداول ناشطون المقطع بشكل واسع، حيث انقسمت الآراء حوله بين من يرى أن ما ورد فيه يعكس واقعاً حقيقياً لحجم الاحتقان الشعبي في المنطقة، وبين من دعا إلى ضرورة التحقق من التفاصيل وعدم الاعتماد فقط على شهادات فردية أو مقاطع غير موثقة من جهات رسمية، خاصة في ظل حساسية الأوضاع التي تمر بها البلاد بشكل عام.
وتأتي هذه التطورات في سياق أزمة كهرباء ممتدة تعاني منها محلية حلفا وعدد من مناطق الولاية الشمالية، حيث يشكو المواطنون من انقطاعات متكررة وممتدة للتيار الكهربائي، الأمر الذي انعكس سلباً على الخدمات الأساسية مثل المياه والمستشفيات والمخابز، بالإضافة إلى تأثر الأنشطة التجارية والحرفية التي تعتمد بشكل رئيسي على استقرار الإمداد الكهربائي.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المراقبين أن تكرار الاحتجاجات في بعض المناطق يعكس حالة من التراكمات الخدمية والاقتصادية، حيث لم تعد المطالب تقتصر على تحسين خدمة الكهرباء فقط، بل امتدت لتشمل تحسين البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية بشكل عام، في ظل ارتفاع سقف توقعات المواطنين وضغط الظروف المعيشية.
من جهة أخرى، لم تصدر حتى الآن بيانات رسمية تفصيلية توضح ملابسات ما حدث خلال الاحتجاجات الأخيرة في “عبري”، كما لم تقدم السلطات المختصة رواية شاملة حول طبيعة التعامل الأمني مع المتظاهرين، وهو ما فتح الباب أمام انتشار روايات متعددة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، في ظل غياب المعلومات الرسمية الدقيقة.
ويشير مراقبون إلى أن مثل هذه الفجوات المعلوماتية غالباً ما تسهم في تضارب السرديات، حيث تتسع مساحة التأويل والتفسير، خصوصاً في القضايا ذات الطابع الخدمي أو الأمني، التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، ما يجعل الحاجة إلى الشفافية وتوضيح الحقائق أمراً ضرورياً لتفادي أي تصعيد محتمل في الشارع.
كما يرى بعض المحللين أن التعامل مع الاحتجاجات الخدمية يحتاج إلى مقاربة مختلفة تقوم على الاستجابة السريعة للمطالب المشروعة، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع المواطنين، بدلاً من الاعتماد فقط على المعالجات الأمنية، التي قد تزيد من حالة التوتر وتعمّق الفجوة بين المواطن والجهات الرسمية.
وفي المقابل، يشدد آخرون على أهمية الحفاظ على السلم العام وعدم السماح بانزلاق الاحتجاجات إلى فوضى أو أعمال قد تضر بالممتلكات العامة أو تعرقل الحياة اليومية، مؤكدين أن التوازن بين حق التظاهر السلمي والحفاظ على النظام العام يمثل تحدياً أساسياً أمام أي سلطة تنفيذية.
وتبقى أزمة الكهرباء في الولاية الشمالية واحدة من أبرز الملفات الخدمية العالقة، التي تتطلب حلولاً جذرية تتجاوز المعالجات المؤقتة، خاصة في ظل اعتماد عدد كبير من الأسر على الكهرباء في حياتهم اليومية، سواء في المنازل أو في الأنشطة الإنتاجية والخدمية.
وفي خضم هذا الجدل، تبرز أهمية وجود قنوات إعلامية موثوقة قادرة على نقل الصورة كاملة دون تهويل أو تقليل، بما يضمن وصول المعلومات للمواطنين بشكل دقيق، ويساعد في خلق بيئة حوار إيجابية بين مختلف الأطراف.
وفي ختام المشهد، يرى “موقع السودان اليوم” في قراءة تحليلية أن ما جرى في “عبري” يعكس حالة متكررة في عدد من المناطق السودانية، حيث تتقاطع الأزمات الخدمية مع الاحتقان الاجتماعي، في ظل ضعف الاستجابة السريعة للمطالب الأساسية. ويشير التحليل إلى أن استمرار الاعتماد على المعالجات التقليدية في التعامل مع مثل هذه الأزمات قد يؤدي إلى اتساع دائرة التوتر، بينما يبقى الحل الأكثر فاعلية في تبني نهج يقوم على الاستماع المباشر للمواطنين، وتسريع تنفيذ الحلول الخدمية، وتعزيز الشفافية في عرض المعلومات.
ويضيف التحليل أن بناء الثقة بين المواطن والدولة يظل العامل الحاسم في احتواء أي أزمات مستقبلية، وأن معالجة جذور المشكلات الخدمية، وعلى رأسها الكهرباء، يمثل مدخلاً أساسياً لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، وتخفيف حدة التوترات التي قد تنشأ بين الحين والآخر نتيجة تراكم الضغوط اليومية على المواطنين.
وبين الروايات المتداولة والانتظار الرسمي للتوضيحات، يبقى المشهد في “عبري” مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل ترقب شعبي لأي خطوات قد تسهم في تهدئة الأوضاع، وإيجاد حلول عملية ومستدامة للأزمة التي دفعت المواطنين إلى الشارع منذ البداية.


