رجل على كرسي متحرك يهزّ سجن بورتسودان.. ودموع رشان أوشي تخطف الأنظار
السودان اليوم – بورتسودان _ الأحد 24 مايو 2026
بقلم.. عامر حسوم
في واحدة من أكثر اللحظات الإنسانية تأثيراً داخل المشهد السوداني خلال الأيام الأخيرة، تحوّلت زيارة رجل مريض على كرسي متحرك إلى قصة هزّت وجدان السودانيين وأشعلت موجة واسعة من التعاطف على منصات التواصل الاجتماعي، بعد ظهوره داخل سجن بورتسودان للاطمئنان على الصحفية والكاتبة السودانية رشان أوشي، التي تواجه أزمة قانونية أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والحقوقية.
القصة التي رواها الكاتب عامر حسون وجدت انتشاراً لافتاً خلال ساعات قليلة، بعدما نقل تفاصيل مشهد وصفه كثيرون بأنه “أكثر إنسانية من السياسة ومن الصراع ومن الضجيج الدائر حول القضية”، خاصة بعد أن ظهرت رشان أوشي – المعروفة بقوة شخصيتها وصلابة مواقفها – وهي تبكي للمرة الأولى منذ بداية أزمتها.
وبحسب الرواية المتداولة، فإن سجن بورتسودان ظل خلال الأيام الماضية يشهد حركة غير معتادة، مع توافد عدد من الصحفيين والإعلاميين والناشطين من أجل زيارة رشان أوشي والتعبير عن التضامن معها، إلا أن اللحظة التي غيّرت أجواء المكان بالكامل كانت عند وصول المواطن الزين علي بابكر على كرسيه المتحرك.
في ذلك النهار الحار من نهارات بورتسودان، حيث الحرارة المرتفعة والإرهاق الذي يخيّم على المدينة، ظهر الرجل متقدماً نحو بوابة السجن ببطء شديد، بينما بدت آثار التعب واضحة على ملامحه وجسده، لكنه كان مصراً على الوصول رغم حالته الصحية المعقدة.
ويقول مقربون إن الزين لم يكن يسعى وراء الظهور أو صناعة مشهد إعلامي، بل جاء مدفوعاً بدافع إنساني خالص، بعد أن ظل يتابع تطورات قضية رشان أوشي منذ الأيام الأولى، ويحرص على السؤال عنها والاطمئنان على ظروفها بصورة مستمرة.
ووفقاً للرواية، فإن الرجل كان يجري اتصالات متواصلة لمعرفة أخبار الصحفية المحتجزة، وعندما تعذر التواصل المباشر بسبب الظروف المختلفة، لجأ إلى أصدقائه ومعارفه من أجل الحصول على أي معلومات تتعلق بأوضاعها الصحية والنفسية داخل السجن.
ومع استمرار الأزمة، قرر الزين أن يذهب بنفسه إلى السجن رغم المرض ومشقة الحركة، في خطوة اعتبرها كثيرون دليلاً على حجم الوفاء والإنسانية التي لا تزال حاضرة داخل المجتمع السوداني رغم الظروف القاسية التي تمر بها البلاد.
وعند دخوله إلى ساحة الزيارة داخل السجن، ساد صمت مفاجئ بين الحاضرين، حيث تحولت الأنظار تلقائياً نحو الرجل الذي جاء على كرسيه المتحرك متحدياً الألم والإرهاق فقط ليطمئن على إنسانة لم تجمعه بها – بحسب الرواية – أي معرفة شخصية سابقة.
اقترب الزين من رشان أوشي، وتحدث معها بهدوء وبكلمات بسيطة حملت الكثير من المعاني الإنسانية، قبل أن يحدث المشهد الذي وصفه شهود بأنه الأكثر تأثيراً داخل السجن منذ بداية القضية.
فقد انهارت رشان أوشي بالبكاء فجأة، في لحظة أربكت الحاضرين، خاصة أنها ظلت طوال فترة احتجازها – بحسب المقربين منها – محافظة على رباطة جأشها وثباتها النفسي رغم الضغوط والظروف المحيطة بالقضية.
وحسب الرواية المتداولة، فقد بادر الزين بسؤالها قائلاً: “ليه البكاء؟ إنتِ أقوى من كده”، لتجيبه بصوت متأثر بأنها لا تبكي بسبب السجن أو الخوف من القضية، وإنما تأثرت لأن رجلاً مريضاً ومتعباً تكبّد كل هذه المشقة من أجل أن يأتي للاطمئنان عليها رغم عدم وجود علاقة سابقة تجمعهما.
هذه اللحظة الإنسانية سرعان ما تحولت إلى حديث واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر ناشطون أن ما قام به الزين علي بابكر يمثل نموذجاً حقيقياً لمعاني الشهامة السودانية الأصيلة، بينما رأى آخرون أن القصة تكشف عن جانب مختلف من المجتمع السوداني الذي لا يزال يحتفظ بقيم التعاطف والوفاء رغم الاستقطاب الحاد الذي يطغى على المشهد العام.
وتداول ناشطون صوراً وتعليقات تصف الرجل بأنه “هزم الجميع بإنسانيته”، بينما كتب آخرون أن الكرسي المتحرك لم يكن مجرد وسيلة للحركة داخل السجن، بل تحول إلى رمز لمعنى الوفاء النادر في زمن الانقسامات والصراعات.
وفي خضم التفاعل الواسع، أعاد كثيرون النقاش حول قضية رشان أوشي نفسها، وما أثارته من جدل كبير بين المدافعين عن حرية الصحافة وبين من يرون أن القضايا المتعلقة بالنشر والإعلام يجب أن تُترك للقضاء دون ضغوط أو حملات تعبئة.
ورغم اختلاف الآراء حول تفاصيل القضية القانونية، إلا أن المشهد الإنساني داخل السجن بدا وكأنه تجاوز كل الاصطفافات السياسية والإعلامية، حيث ركزت أغلب التعليقات على البعد الأخلاقي والإنساني للموقف أكثر من تركيزها على الخلافات المرتبطة بالقضية نفسها.
ويرى مراقبون أن التفاعل الكبير مع القصة يعود إلى أن السودانيين يعيشون منذ سنوات تحت ضغوط الحرب والانقسام والأزمات الاقتصادية، ما جعل أي مشهد إنساني صادق يجد صدى واسعاً وسط حالة الإنهاك النفسي التي يعيشها المجتمع.
كما اعتبر البعض أن زيارة الزين علي بابكر أعادت التذكير بصورة “السودان القديم” الذي كانت فيه قيم التكاتف الاجتماعي والتراحم تتغلب على الخصومات السياسية والاختلافات الفكرية.
وفي المقابل، انتقد عدد من الناشطين ما وصفوه بحملات الشماتة والإساءات التي صاحبت قضية رشان أوشي على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرين أن الخلافات المهنية أو السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى حالة من التشفي أو التجريد من الإنسانية.
وأشار متابعون إلى أن القضية كشفت كذلك حجم الضغوط التي يواجهها الصحفيون والإعلاميون في السودان خلال المرحلة الحالية، في ظل بيئة معقدة تختلط فيها السياسة بالقانون بالإعلام وسط ظروف استثنائية تمر بها البلاد.
ويقول مراقبون إن قصص التضامن الإنساني كثيراً ما تتحول في السودان إلى رسائل معنوية قوية تتجاوز حدود الأشخاص أنفسهم، لأنها تعكس طبيعة المجتمع السوداني الذي ظل معروفاً تاريخياً بروح التكافل والمساندة في أوقات المحن.
وفي ختام الرواية التي أثارت الجدل، أكد الكاتب عامر حسون أن مراحل التقاضي في قضية رشان أوشي لم تنتهِ بعد، وأن الكلمة الأخيرة ستظل للقضاء السوداني، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن “المعركة الأخلاقية” – بحسب تعبيره – قد حُسمت مبكراً عبر مواقف التضامن الشعبي والإنساني التي أحاطت بالقضية.
وأضاف أن محاولات ترهيب أصحاب الأقلام أو كسرهم نفسياً غالباً ما تفشل عندما يجد الصحفي أو الكاتب هذا النوع من الدعم الإنساني الصادق من الناس البسطاء، الذين لا تحركهم المصالح ولا الحسابات السياسية.
رأي تحليلي – السودان اليوم
بعيداً عن تفاصيل القضية القانونية نفسها، فإن المشهد الذي جرى داخل سجن بورتسودان يكشف شيئاً مهماً عن طبيعة المجتمع السوداني في هذه المرحلة الصعبة. فوسط الحرب والانقسام والتوتر السياسي، لا يزال هناك حيز واسع للإنسانية الخالصة التي تتجاوز كل التصنيفات والانتماءات.
ما فعله الزين علي بابكر لم يكن مجرد زيارة عادية، بل رسالة عميقة تقول إن التضامن الإنساني لا يحتاج إلى معرفة مسبقة أو مصالح مشتركة، وإنما يحتاج فقط إلى قلب حي يشعر بآلام الآخرين. وربما لهذا السبب تحديداً تأثر السودانيون بالقصة، لأنها أعادت إليهم صورة نادرة لقيم بدأت تتراجع تحت ضغط الاستقطاب والكراهية المنتشرة في الفضاء العام.
كما أن الحادثة تعكس جانباً آخر يتعلق بعلاقة المجتمع السوداني بالصحافة والإعلام. فرغم الهجوم المتكرر الذي يتعرض له الصحفيون أحياناً، إلا أن كثيراً من السودانيين لا يزالون ينظرون إلى أصحاب الأقلام باعتبارهم جزءاً من الضمير العام للمجتمع، وهو ما يفسر حجم التعاطف الشعبي مع أي قضية تمس حرية الصحافة أو أوضاع الصحفيين.
وفي المقابل، تكشف القصة أيضاً خطورة التحول الذي تشهده مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت بعض المنصات ساحات للشماتة والتجريح بدلاً من الحوار الموضوعي. لكن ما حدث داخل سجن بورتسودان أثبت أن المشاهد الإنسانية الصادقة تظل أقوى من حملات الكراهية وأكثر قدرة على التأثير في وجدان الناس.
وربما كانت الرسالة الأهم في كل ما جرى أن الشعوب المنهكة بالحروب والأزمات لا تعيش فقط على السياسة والخلافات، بل تحتاج أيضاً إلى قصص صغيرة تعيد إليها الإيمان بالإنسان، وتذكّرها بأن الرحمة والوفاء ما زالا ممكنين حتى في أقسى الظروف.
