مقالات

فساد الأراضي.. أين والي الخرطوم

السودان اليوم

فساد الأراضي.. أين والي الخرطوم

بقلم: هاجر سليمان – السودان اليوم _ الأحد 3 مايو 2026

في كل مرة يُفتح فيها ملف الأراضي في ولاية الخرطوم، تتكشف طبقات جديدة من التعقيد، وكأننا أمام منظومة متشابكة يصعب تفكيكها بقرارات إدارية تقليدية أو حملات موسمية. ما يجري لم يعد مجرد تجاوزات فردية أو حالات فساد معزولة، بل بات أقرب إلى شبكات منظمة تتقاطع فيها المصالح بين موظفين نافذين وسماسرة محترفين، في مشهد يهدد أحد أهم أصول الدولة والمواطن على حد سواء.

المعطيات التي تتسرب تباعاً من داخل هذا الملف تشير إلى وقائع صادمة، أبرزها بيع عقارات بمبالغ فلكية عبر التزوير والاحتيال، في أحياء تُعد من الأغلى داخل محلية بحري. اللافت في بعض هذه القضايا أن المتهمين لا يعملون في الظل فقط، بل ينتمون أحياناً إلى بيئات اجتماعية معروفة، ما يعكس تحوّل الجريمة من نشاط هامشي إلى سلوك يجد له غطاءً اجتماعياً أو مؤسسياً في بعض الأحيان.

في مشهد آخر لا يقل خطورة، تتجه أصابع الاتهام إلى داخل مكاتب تسجيلات الأراضي نفسها، حيث يُفترض أن تكون نقطة الحماية الأولى للملكية. الحديث عن تورط مسؤولين في تسهيل عمليات التزوير، بالتعاون مع عناصر معتادة على الإجرام، يكشف عن خلل بنيوي في منظومة الرقابة. فحين تتحول الجهة الحارسة إلى جزء من المشكلة، تصبح المواجهة أكثر تعقيداً وتحتاج إلى إرادة سياسية وإدارية تتجاوز المعالجات السطحية.

 

 

 

 

اللافت أيضاً أن بعض الوقائع تشير إلى بيع عشرات القطع السكنية عبر مستندات مزورة، في وقت تتزايد فيه البلاغات وتتشعب القضايا، ما يطرح سؤالاً محورياً: هل نحن أمام فشل في الردع أم أمام تواطؤ صامت يسمح باستمرار هذه الشبكات؟ الإجابة ربما تكمن في طبيعة البيئة التي تعمل فيها الأجهزة المختصة، خاصة مباحث الأراضي، التي تواجه – وفق ما يُتداول – تحديات حقيقية تتعلق بنقص الإمكانيات والدعم اللوجستي.

من زاوية تحليلية، يمكن قراءة هذا الملف ضمن سياق أوسع يتعلق بضعف الحوكمة في القطاعات الخدمية الحساسة. فالأراضي ليست مجرد أصول عقارية، بل تمثل مخزوناً استراتيجياً للدولة، وأي اختراق فيها ينعكس مباشرة على الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. التزوير في هذا القطاع لا يعني فقط فقدان قطعة أرض، بل يفتح الباب لنزاعات قانونية ممتدة، ويقوّض ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

 

 

 

 

هنا يبرز دور السلطة التنفيذية، وعلى رأسها والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، الذي يجد نفسه أمام اختبار حقيقي في إدارة هذا الملف المعقد. فالمطلوب لم يعد مجرد متابعة التقارير أو انتظار نتائج التحريات، بل التحرك ميدانياً، والوقوف على طبيعة التحديات التي تواجه الأجهزة العاملة، خاصة تلك التي تقف في خط المواجهة الأول مع هذه الشبكات.

إن دعم مباحث الأراضي ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة ملحة. توفير الكهرباء، وسائل الحركة، والبيئة المناسبة للعمل، كلها عوامل أساسية لتمكين هذه القوة من أداء دورها. لكن الأهم من ذلك هو حمايتها من أي ضغوط قد تُمارس عليها، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، بهدف إضعافها أو دفعها لغض الطرف عن بعض الملفات.

 

 

 

 

من منظور أعمق، فإن استمرار هذه الظواهر يشير إلى وجود ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد ظل” داخل قطاع الأراضي، حيث تُدار عمليات البيع والشراء خارج الأطر القانونية، مستفيدة من ثغرات النظام وضعف الرقابة. هذا النوع من الاقتصاد يخلق طبقة من المستفيدين يصعب تفكيكها دون تدخل حاسم يعيد ضبط المنظومة بالكامل.

كما أن الحديث عن تورط مسؤولين في بيع مئات القطع السكنية – إن ثبت – يضعنا أمام أزمة ثقة حقيقية، تستدعي ليس فقط المحاسبة القانونية، بل مراجعة شاملة لآليات التعيين والرقابة داخل هذا القطاع. فالمشكلة لم تعد في الفعل ذاته، بل في البيئة التي سمحت له بالتمدد.

 

 

 

 

في تقديري، فإن معالجة هذا الملف تتطلب مساراً مزدوجاً: أمني وقانوني من جهة، وإداري وهيكلي من جهة أخرى. الأول يركز على تفكيك الشبكات وتقديم المتورطين للعدالة، والثاني يعمل على سد الثغرات التي تسمح بظهور هذه الشبكات من الأساس. دون هذا التكامل، ستظل الجهود تدور في حلقة مفرغة.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الوقائع إلى نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي، أم أنها ستنضم إلى قائمة طويلة من الملفات التي أُثيرت ثم خبت؟ الإجابة مرهونة بمدى جدية التحرك الرسمي، وقدرته على مواجهة النفوذ داخل المؤسسات قبل خارجها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى