ثورة “أفريقيا بلا تأشيرة”: هل يسقط القادة الأفارقة آخر حصون “الاستعمار الإداري” في قمة أديس أبابا 2026؟
تقرير: قسم الشؤون الأفريقية – السودان اليوم
منذ عقود، ظل حلم “أفريقيا الواحدة” يراود الآباء المؤسسين للقارة السمراء، لكن الواقع الجغرافي والسياسي رسم حدوداً وهمية، لم تكن مجرد أسلاك شائكة، بل كانت “تأشيرات دخول” معقدة خنقت طموحات الشباب والمستثمرين. اليوم، ومن قلب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وفي إطار القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي 2026، انطلقت صرخة مدوية تطالب بإنهاء هذا الإرث البيروقراطي، فهل اقتربت لحظة الحقيقة؟
زلزال في أروقة القمة: عندما يتحدث الشعب بلسان النخبة
لم تكن ندوة “تعزيز أفريقيا بلا تأشيرات” مجرد فعالية هامشية، بل كانت بمثابة “محاكمة علنية” للوعود الرسمية التي لم تتحقق. غابي أساري أوتشيري داركو، أحد أبرز الوجوه الاقتصادية والقانونية في القارة ورئيس شبكة “ازدهار أفريقيا” (APN)، وضع إصبعه على الجرح النازف.
لقد أطلق داركو تصريحات نارية وصفت بأنها “تفكيك لدبلوماسية الصالونات”، مؤكداً أن زمن بقاء ملف التكامل القاري حبيساً في القاعات المغلقة قد ولى. ورأى أن القارة بحاجة إلى “حركة شعبية” تقودها القاعدة لا القمة، لضمان أن يلمس المواطن البسيط، والتاجر الصغير في أسواق الخرطوم أو لاغوس أو نيروبي، ثمار هذا التكامل عبر حرية التنقل.
عقدة “معاهدة أبوجا”: وعود في مهب الريح منذ 1994
لعل أكثر ما أثار الجدل في نقاشات قمة 2026 هو العودة إلى التاريخ. فقد ذكّر المتحدثون القادة الأفارقة بـ معاهدة أبوجا التي وقعت في عام 1994، والتي رسمت خارطة طريق طموحة للوصول إلى “سوق مشتركة” و”عملة موحدة” وبنك مركزي واحد بحلول عام 2028.
ومع اقترابنا من الموعد النهائي (بعد عامين فقط من الآن)، تبدو الحصيلة صادمة. فبينما يوقع القادة على البروتوكولات بحفاوة أمام كاميرات التلفاز، يعودون إلى عواصمهم لتشديد إجراءات الحدود. هذا “التناقض الصارخ” كان محور نقد لاذع وجهه داركو، واصفاً إياه بنمط “العمل كالمعتاد” الذي لم يعد يجدي نفعاً في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية.
لماذا يحتاج السودان والقارة إلى “جواز سفر أفريقي موحد”؟
إن إلغاء التأشيرات ليس مجرد رفاهية للسياح، بل هو ضرورة اقتصادية ملحة يمكن تلخيص فوائدها في نقاط جوهرية:
- تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية (AfCFTA): لا يمكن للبضائع أن تتحرك بحرية إذا كان التجار يقضون أسابيع في انتظار موافقات أمنية وتأشيرات دخول.
- تمكين الشباب والشركات الناشئة: في قارة يمثل الشباب أكثر من 60% من سكانها، يعد تقييد الحركة وأداً للمواهب ومنعاً لتبادل الخبرات التقنية والعلمية.
- جذب الاستثمارات: المستثمر العالمي يبحث عن سوق كبيرة (1.4 مليار نسمة)، لكنه يصطدم بواقع 54 جزيرة منعزلة إدارياً.
- الأمن الغذائي: حرية تنقل العمالة الزراعية والمنتجات بين الدول المنتجة (مثل السودان) والدول المستهلكة هي الضمانة الوحيدة لمنع المجاعات.
الأجندة 2063: هل هي حلم بعيد أم واقع ممكن؟
تعتبر “أفريقيا التي نريدها” أو أجندة 2063 هي الوثيقة المقدسة للاتحاد الأفريقي. ويعد بروتوكول “حرية تنقل الأشخاص” أحد أعمدتها الخمسة عشر. ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن 4 دول أفريقية فقط حتى الآن تمنح دخولاً كاملاً بدون تأشيرة لجميع الأفارقة (سيشل، غامبيا، بنين، ورواندا).
في قمة أديس أبابا الحالية، تساءل المحللون: لماذا تنجح رواندا وتخفق دول أخرى؟ الإجابة تكمن في “الإرادة السياسية” والتحول الرقمي. فالخوف من التهديدات الأمنية، الذي تتذرع به بعض الحكومات، أصبح حجة ضعيفة في عصر البصمة الحيوية والربط الإلكتروني بين الأجهزة الأمنية.
موقف السودان في قلب المعادلة الأفريقية
بالنسبة للسودان، الذي يمثل جسراً استراتيجياً بين العالم العربي وأفريقيا جنوب الصحراء، فإن “أفريقيا بلا تأشيرات” تعني فتح أسواق جديدة للمنتجات السودانية، واستعادة الدور الريادي للخرطوم كمركز لوجستي وتعليمي. إن السودانيين، الذين ينتشرون في كافة بقاع القارة كبناة ومستثمرين، هم أكثر من يدفع ضريبة “تعقيدات التأشيرة”.
التوصيات الختامية: خارطة طريق للمستقبل
خرجت ندوة أديس أبابا بتوصيات غير مسبوقة، من أهمها:
- فرض “تأشيرة عند الوصول” كحد أدنى لجميع المواطنين الأفارقة في كافة الدول الأعضاء.
- تسريع إصدار “الجواز الأفريقي الموحد” للمبدعين ورجال الأعمال كخطوة أولى.
- الربط الرقمي بين قواعد بيانات الجوازات لتقليل المخاوف الأمنية.
المصدر.. سودان تربيون
رأي “السودان اليوم”: هل يجد المواطن السوداني مخرجه في “القارة المفتوحة”؟
في ختام هذا التقرير، لا يمكننا في “السودان اليوم” أن نمر على دعوات “أفريقيا بلا تأشيرة” دون أن نتوقف عند انعكاساتها المباشرة على المواطن السوداني. ففي الوقت الذي يواجه فيه السودانيون تحديات كبرى في التنقل والسفر بسبب الظروف الراهنة، تأتي هذه التحركات في أديس أبابا لتمثل “بصيص أمل” نحو مستقبل مختلف.
إن “أفريقيا بلا حدود” ليست مجرد حلم رومانسي، بل هي حاجة ملحة للسودان لعدة أسباب جوهرية:
- تخفيف وطأة العزلة: إن فتح الحدود الأفريقية يعني منح الشباب السوداني والمبدعين والطلاب فرصاً أوسع للنمو والعمل في قارة شابة ومتسارعة النمو.
- السودان سلة غذاء القارة: لا يمكن للسودان أن يستعيد دوره كـ “سلة غذاء العالم” إلا إذا تدفقت الاستثمارات والعمالة والخبرات الأفريقية عبر حدود مرنة، بعيداً عن تعقيدات البيروقراطية.
- ربط العمق العربي بالأفريقي: السودان هو الجسر الطبيعي، وإلغاء التأشيرات سيجعل من الخرطوم مركزاً تجارياً يربط الموانئ العربية بالأدغال الأفريقية.
كلمة أخيرة:
بينما يتحدث القادة في “أديس أبابا” عن الاتفاقيات، نأمل في “السودان اليوم” أن نرى هذه الوعود تترجم إلى واقع ملموس في مطاراتنا ومعابرنا البرية. إن السودان القوي والمستقر هو حجر الزاوية في أي تكامل أفريقي حقيقي، وبدون “سودان فاعل”، ستظل خريطة أفريقيا منقوصة الجمال والارتباط