مقالاتمنوعات

ذكريات ودروس

السودان اليوم

ذكريات ودروس

منوعات _ السودان اليوم _ بقلم: المنتج والممثل السوداني د. جلال حامد

أعادتني قدماي إلى مكان لم يكن مجرد محطة دراسية في حياتي، بل كان حجر الأساس الذي تشكّلت فيه ملامح شخصيتي المهنية والإنسانية والاجتماعية. أعادتني قدماي إلى «نيو كوليج – New College»، كليتي التي درست فيها، وقد أصبحت اليوم جامعة قائمة بذاتها تحت اسم «New College University».

 

 

 

لم تكن العودة زيارة عابرة، بل كانت رحلة عميقة داخل الذاكرة. هنا عشت سنوات مليئة بالتجارب، بين قاعات الدراسة، وأروقة الكلية، ووجوه دكاترة وزملاء وأصدقاء وموظفين وعمال، جمعتنا الأيام ثم فرّقتنا دروب الحياة. بعضهم سبقنا إلى دار الحق، وبعضهم لا يزال حاضرًا في الذاكرة كما لو أن الزمن لم يمر.

ومن أصدق المشاهد التي لامست روحي، لقائي بعامل نظافة مسجد الكلية، الذي لم يفارق مكانه رغم تعاقب السنوات، ولم تتغير ابتسامته ولا ترحيبه. مشهد بسيط، لكنه عميق الدلالة، يختصر معنى الإخلاص، والثبات، والعمل بصمت.

 

 

 

هذه الذكريات ليست حنينًا فقط، بل دروس متجددة، لي أولًا، ولطلاب الجامعة اليوم، ولكل من يسلك دروب الحياة بتقلّباتها. فهي تؤكد أن الواقع يمكن أن يتغيّر، بعد عون الله ومشيئته، بالاجتهاد والعمل الصادق، وبالإيمان بأن البدايات المتواضعة لا تحدد نهاياتنا.

حين أنظر إلى هذا المكان، أتذكر جيدًا كيف جئته شابًا لا أملك إلا الحلم. كنت طالبًا ينتظر الحوالات المالية من أهله، أدرس في بلد يغادره أهله للعمل خارجه بحثًا عن الفرص، بينما كنت أنا في هجرة معاكسة، أعمل في الهند، وأسهم في اقتصادها، وأصنع لنفسي مسارًا مختلفًا، لم يكن في مخيلتي يومًا بتلك الصورة.

 

 

 

 

اليوم، وبعد سنوات من العمل والمثابرة، وجدت نفسي أُكرّم على مستوى رئاسة الدولة ووزرائها في الهند، وتحرص العديد من الجاليات على دعوتي متحدثًا في فعالياتها، قناعة منهم بأن في مسيرتي تجربة يمكن أن تلهم، ودروسًا يمكن أن تُستفاد منها. ليس لأنها قصة استثنائية، بل لأنها قصة ممكنة، قابلة للتكرار مع كل طالب يؤمن بنفسه.

فكل طالب، مهما كانت ظروفه، يستطيع أن يرسم لنفسه خطًا واضحًا للتطور والتقدم والتأثير. الطالب الذي بدأ من الصفر بين جدران هذه الكلية، أصبح اليوم سفيرًا للعلامة التجارية لمجموعة مستشفيات «كاڤيري» في جنوب الهند، وهي المستشفى الوحيدة في المنطقة المعترف بها من الجهات المختصة في الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي جعل «كاڤيري» بمثابة مستشفى عالمي بمعايير دولية.

 

 

 

 

وهذا النهج لم يكن غريبًا على أسرة «نيو كوليج»، التي ظلت تؤكد في كل مناسبة اعتزازها بي كأحد أبنائها. فقد كانت كل محطاتي المهنية، وكل التكريمات التي نلتها من الرئيس والوزراء في الهند، بل وحتى تعييني مؤخرًا مستشارًا بوزارة الشباب والرياضة، موضع فخر واحتفاء داخل هذه المؤسسة التي منحتني الأساس.

إن الامتنان الحقيقي لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالاعتراف بالجذور. ومن هنا، أوجّه تحية صادقة لكل أسرة «نيو كوليج»؛ من دفعتي، إلى كل الدفعات السابقة واللاحقة، ولجميع أعضاء هيئة التدريس، والإدارة، والموظفين، والعمال. فخور بانتمائي إلى هذا المكان، فهنا مررت، ومن هنا انطلقت، وإلى هنا أعود بذاكرة ممتنة وقلب لا ينسى.

د.جلال حامد
جلال_حامد

#جلال_حامد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى