مقالات

عثمان ميرغني يدق ناقوس الخطر: الفراغ الإعلامي في السودان

السودان اليوم

عثمان ميرغني يدق ناقوس الخطر: الفراغ الإعلامي في السودان

السودان اليوم – مقالات

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها السودان، ومع تصاعد التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، برز تحذير لافت من الصحفي والكاتب الإعلامي عثمان ميرغني حول ما أسماه “حالة الفراغ الإعلامي”، وهي الحالة التي يرى أنها تسمح للقضايا الهامشية أو الرسائل العابرة بأن تتضخم وتتحول إلى محور اهتمام واسع، في وقت يفترض أن تتصدر المشهد ملفات أكثر تأثيرًا في مستقبل البلاد.

التحذير جاء على خلفية تفاعل كبير مع تغريدة منسوبة لقائد عسكري يوغندي، أشار فيها – بحسب ما تم تداوله – إلى انتظار دعم سياسي خارجي من أجل “الاستيلاء على الخرطوم”. وبغض النظر عن جدية التصريح أو طبيعته، فإن حجم التفاعل الذي أعقب نشره فتح بابًا واسعًا للنقاش، حيث تحولت العبارة خلال ساعات إلى مادة للسجال، وأثارت موجة من التحليلات والمطالبات بمواقف رسمية حازمة، بل ودعوات لاتخاذ خطوات دبلوماسية.

ميرغني يرى أن مثل هذا التفاعل يكشف عن خلل أعمق من مجرد تداول تصريح مثير للجدل، ويتمثل في غياب الإشغال الإعلامي الإيجابي المنظم، أي ضعف تركيز المجال العام على القضايا الجوهرية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. فعندما تكون الساحة الإعلامية مشغولة بملفات استراتيجية واضحة، يصعب على الرسائل الطارئة أن تستحوذ على كل هذا الزخم. أما في حالة الفراغ، فإن أي رسالة لافتة – مهما كان وزنها الحقيقي – تجد مساحة مفتوحة للانتشار والتضخيم.

ويطرح هذا الطرح تساؤلات مهمة حول طبيعة العلاقة بين وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي. فالمشهد الإعلامي في السودان، كما في كثير من الدول، لم يعد محصورًا في الصحف والقنوات الفضائية، بل أصبح الفضاء الرقمي لاعبًا أساسيًا في صناعة الرأي العام. وفي هذا الفضاء، تتحرك الأخبار بسرعة هائلة، وتتجاوز أحيانًا ضوابط التحقق والتدقيق، ما يمنح العبارات المقتضبة والتصريحات المثيرة قابلية عالية للانتشار.

غير أن ميرغني لا يقف عند حدود نقد منصات التواصل، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدًا أن المشكلة ليست في الوسيلة، وإنما في غياب التخطيط الاستراتيجي لإدارة الرسالة الإعلامية. فهو يميز بوضوح بين “الوسائط” باعتبارها أدوات للنشر، وبين “الإعلام” باعتباره تأثيرًا ورسالة. قد تمتلك جهة ما منابر متعددة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تمتلك خطابًا متماسكًا أو رؤية واضحة توجه النقاش العام نحو الأولويات الوطنية.

وفي سياق معقد كالذي يمر به السودان، تصبح مسألة ترتيب الأولويات الإعلامية مسألة حيوية. فهناك ملفات ترتبط مباشرة بمعيشة المواطنين، مثل الاقتصاد والخدمات الأساسية والأمن والاستقرار، إلى جانب مسارات الحوار السياسي وإعادة الإعمار. عندما تتراجع هذه الملفات إلى الخلفية، ويُترك المجال فارغًا نسبيًا، فإن ذلك يفتح الباب أمام موضوعات طارئة لاحتلال الواجهة، حتى وإن كانت لا تحمل مضمونًا استراتيجيًا حقيقيًا.

 

 

 

 

 

ويشير مراقبون إلى أن مفهوم “الفراغ الإعلامي” لا يعني غياب الأخبار، بل غياب الأجندة الواضحة التي تنظم تدفقها. فالإعلام الفاعل لا يتحرك برد الفعل فقط، بل يبادر بصناعة الأجندة، ويحدد الإطار الذي تُفهم من خلاله الأحداث. وفي غياب هذا الإطار، يصبح الجمهور أمام سيل متدفق من المعلومات غير المترابطة، ما يزيد من احتمالات الارتباك وسوء الفهم.

ومن زاوية أخرى، يعكس التفاعل الكبير مع التصريحات المثيرة حالة من القلق العام والتوجس، وهي مشاعر طبيعية في سياق الأزمات. فالجمهور الذي يعيش ظروفًا غير مستقرة يكون أكثر حساسية تجاه أي إشارة قد تُفهم بوصفها تهديدًا أو تطورًا خطيرًا. وهنا تبرز أهمية وجود خطاب إعلامي متوازن يضع الأمور في سياقها الصحيح، دون تهويل أو تقليل من شأنها.

ويرى خبراء في الاتصال السياسي أن إدارة المجال العام في مثل هذه الظروف تتطلب شفافية منتظمة وتدفقًا مستمرًا للمعلومات الدقيقة. فكلما قلّت المعلومات الرسمية الواضحة، زادت مساحة التأويلات والشائعات. ومع تطور التكنولوجيا، لم يعد ممكنًا إغلاق المجال العام أو التحكم الكامل في تدفق الرسائل، لكن يمكن توجيهه عبر توفير بدائل موثوقة وجاذبة.

كما أن الفراغ الإعلامي لا يقتصر على الشأن السياسي، بل يمتد إلى مختلف القطاعات. فعندما تغيب القصص الإيجابية المتعلقة بجهود الإصلاح أو المبادرات المجتمعية أو النجاحات الفردية، تتراجع صورة التوازن في المشهد العام. ويميل الخطاب إلى التركيز على الأزمات فقط، ما يعزز الانطباع بأن الساحة خالية من أي تطورات إيجابية. ومن هنا تبرز أهمية بناء سردية متكاملة تعكس التحديات والإنجازات معًا، بعيدًا عن الانتقائية.

ويؤكد تحليل ميرغني أن معالجة هذه الحالة لا تكون عبر الانفعال اللحظي أو الردود المتسرعة، وإنما من خلال رؤية مؤسسية طويلة المدى. هذه الرؤية تتطلب قياسًا مستمرًا لحالة النقاش العام، وتحديدًا واضحًا للقضايا ذات الأولوية، وتنسيقًا بين مختلف الجهات المعنية بصناعة الرسالة الإعلامية. كما تتطلب الاستثمار في التدريب المهني للإعلاميين، وتعزيز بيئة العمل التي تمكنهم من أداء دورهم بكفاءة.

 

 

 

 

 

ولا يمكن إغفال دور الجمهور نفسه في هذه المعادلة. فالمتلقي لم يعد سلبيًا، بل أصبح مشاركًا في صناعة المحتوى عبر إعادة النشر والتعليق والتفاعل. وهذا يفرض مسؤولية مشتركة، حيث يحتاج الجمهور إلى تنمية مهارات التفكير النقدي والتمييز بين الخبر المؤكد والمعلومة غير الموثوقة. فكل إعادة نشر لمحتوى غير دقيق تسهم – ولو بشكل غير مباشر – في تضخيم الرسائل العابرة.

في نهاية المطاف، يضع النقاش الذي أثاره عثمان ميرغني الإعلام السوداني أمام اختبار مهم: كيف يمكن إدارة المجال العام بطريقة توازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية؟ وكيف يمكن ضمان أن تبقى القضايا الاستراتيجية في صدارة الاهتمام، دون أن يتم إقصاء أو تهميش الأصوات المختلفة؟ الإجابة على هذه الأسئلة لا تكمن في إجراء واحد، بل في مسار متكامل يعيد تعريف دور الإعلام بوصفه شريكًا في الاستقرار والتنمية، لا مجرد ناقل للأحداث.

إن المرحلة التي يمر بها السودان تتطلب وعيًا عميقًا بأهمية الرسالة الإعلامية وتأثيرها بعيد المدى. فالكلمات التي تُنشر اليوم قد تسهم في تشكيل اتجاهات الغد. وعندما يُترك المجال في حالة فراغ، فإن الرسائل العابرة قد تجد فيه موطئ قدم واسعًا يفوق حجمها الطبيعي. أما حين يكون المشهد مشغولًا بأجندة واضحة، وخطاب متماسك، ومعلومات دقيقة، فإن قدرة الرسائل الهامشية على التمدد تتراجع تلقائيًا.

وبين هذا وذاك، يظل الرهان الأساسي على بناء إعلام مهني قادر على قراءة السياق، وتحديد الأولويات، ومواكبة التحولات، بما يعزز مناعة المجتمع في مواجهة التضخيم غير المبرر، ويحافظ على توازن النقاش العام في واحدة من أدق المراحل في تاريخ البلاد.

بقلم عثمان ميرغني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى