مهند عباس العالم يكتب.. أضحكني ولكن لله الخفايا ولنا حُسن الظنون
بقلم: مهند عباس العالم
في أحد الأحياء السكنية الهادئة، حيث تتشابه البيوت وتتشابه الحكايات، كان كل شيء يسير وفق نسق اجتماعي مألوف؛ عائلات مترابطة، أطفال يملؤون الشوارع ضجيجًا، وأمهات يتبادلن الأحاديث اليومية على الأرصفة. وسط هذا المشهد المستقر، برز شخص واحد اختلف عن الآخرين، لا بهيئة ولا بسلوك، وإنما بكونه الوحيد الذي لم يتزوج بعد.
لم يكن الرجل يعترض على حالته الاجتماعية، ولم يكن يرى في الأمر ما يستدعي لفت الانتباه، لكن الحي بأكمله رأى فيه “ظاهرة”. شيئًا فشيئًا، تحوّل وصفه إلى لقب ملازم: “العزابي”. ومع مرور الوقت، لم يعد اللقب مجرد توصيف عابر، بل صار علامة دلالية للمكان ذاته. هذا هو “شارع العزابي”، وتلك “شجرة العزابي”، وحتى البقالة المجاورة باتت تُعرف ضمنيًا بقربها من منزله. أما الجيران فكانوا يقولون للزوار: “نحن جيران العزابي”، وكأن الرجل أصبح إحداثية رسمية في خرائط الذاكرة الشعبية.
في البداية، كان يضحك من المسألة، لكنه أدرك لاحقًا أن المزاح الجماعي قد يتحول أحيانًا إلى قيد غير مرئي. فاللقب الذي بدا خفيفًا على اللسان، صار ثقيلًا على النفس. ليس لأن الزواج قيمة اجتماعية مفروضة فحسب، بل لأن الصورة التي رسمها الآخرون عنه بدأت تتغلب على تعريفه لنفسه.
وبعد تفكير طويل، قرر أن يُنهي الحكاية بالطريقة التي يظنها حاسمة: شدّ الرحال إلى قريته، وخطب ابنة عمه، وأتمّ الزواج، وعاد بها إلى منزله في الحي ذاته. كان مقتنعًا أن الواقع حين يتغير، تتبدل معه الأوصاف تلقائيًا، وأن اللقب القديم سيسقط كما تسقط ورقة في نهاية فصل.
غير أن الحياة، بخفّتها المعهودة، رتبت له مفارقة لطيفة.
في أحد الأيام، عاد من عمله فوجد مجموعة من نساء الحي واقفات أمام منزله يحملن أواني الطعام. سأل مستغربًا عن السبب، فجاءه الرد العفوي الذي لا يخلو من بساطة:
“ولا حاجة… نحن ماشين نتغدى مع مرّة العزابي!”
ضحك الجميع، وضحك هو معهم، وربما كانت ضحكته هذه المرة أعمق من كل سابقاتها. أدرك أن بعض الصور حين تستقر في الوعي الجمعي، لا تتبدل بسهولة، حتى وإن تغيرت الوقائع على الأرض.
هذه القصة، على بساطتها، تكشف شيئًا بالغ الدلالة: المجتمع لا يتعامل دائمًا مع الأشخاص وفق حاضرهم، بل وفق الصورة التي ترسخت عنه في الماضي. وقد يغيّر الإنسان حاله، وخياراته، وحتى مساره، لكن الذاكرة الجمعية تبقى أبطأ من تحولات الفرد.
ومن هذا الباب، يمكن قراءة الأمر في سياقات أوسع، دون تعميم أو إساءة. فبعض الأشخاص الذين انخرطوا في مسارات مثيرة للجدل، مثل الانضمام إلى قوات الدعم السريع خلال سنوات الصراع، قد يراجعون مواقفهم أو يختارون طريقًا مختلفًا لاحقًا. غير أن المجتمع، بطبيعته الحذرة، قد يستمر في ربطهم بالصورة الأولى، لا لغياب التغيير، بل لأن الذاكرة الإنسانية لا تُعيد التشكّل بسهولة.
وهنا يتجلى الفارق بين العدالة الاجتماعية وبين الأحكام المسبقة. فالإدانة المطلقة تُغلق أبواب العودة، بينما التفهم لا يعني التبرير، بل الاعتراف بأن البشر يتعلمون، ويتبدلون، ويعيدون صياغة اختياراتهم.
المجتمع الذي يمنح أفراده فرصة البدء من جديد هو مجتمع يعرف أن الخطأ ليس نهاية السيرة، وأن اللحظة لا تختزل الإنسان كله. أما المجتمع الذي يصر على تثبيت الألقاب، فإنه يحوّل الذاكرة إلى قيد، ويجعل من المزحة البسيطة حكمًا دائمًا.
“العزابي” تزوج، لكن اللقب بقي. ومع ذلك، لم يعد يؤذيه كما كان. ربما لأنه أدرك أن قيمته لا تُحدَّد بتسمية، وأن الضحك أحيانًا أكثر حكمة من الغضب.
لله الخفايا، ولنا حُسن الظنون…
إن أردنا أن نعيش في مجتمع يتعلم من ماضيه، لا أن يظل سجينًا له.