تقرير أممي يكشف عودة أكثر من نصف مليون سوداني من الخارج خلال عامين
السودان اليوم – متابعات
كشف تقرير حديث صادر عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة لـ الأمم المتحدة عن عودة 529,661 سودانيًا من الخارج إلى السودان خلال الفترة الممتدة من يناير 2024 وحتى نهاية ديسمبر 2025، في تطور يعكس تحولات ميدانية واجتماعية مهمة في مسار الأزمة السودانية المستمرة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وبحسب التقرير، فإن الغالبية العظمى من العائدين دخلوا عبر الحدود مع مصر بنسبة بلغت 89% من إجمالي الحالات المسجلة، بينما عاد 11% عبر الحدود الغربية مع تشاد، في حين لم تتجاوز نسبة العائدين عبر الحدود الشرقية مع إثيوبيا أقل من 1%. وتعكس هذه الأرقام خريطة اللجوء السابقة التي شهدت تدفق أعداد كبيرة من السودانيين إلى دول الجوار، خصوصًا مصر وتشاد، خلال ذروة المواجهات العسكرية.
ويشير التقرير إلى أن 41% من العائدين أوضحوا أن تحسّن الأوضاع الأمنية في مناطقهم الأصلية كان الدافع الرئيسي وراء قرار العودة، بينما أرجع آخرون قرارهم إلى عوامل اقتصادية واجتماعية، من بينها البحث عن فرص عمل داخل البلاد، أو الرغبة في لمّ الشمل الأسري، أو مواجهة تحديات قانونية ومعيشية في دول اللجوء. ويعكس هذا التنوع في الدوافع صورة معقدة للقرار الفردي بالعودة، حيث لا يرتبط فقط بالوضع الأمني، بل كذلك بظروف الإقامة في الخارج وتكاليف المعيشة وفرص العمل المحدودة.
ومن اللافت أن التقرير أظهر أن 88% من العائدين استخدموا وسائل النقل العام للوصول إلى السودان، سواء عبر الحافلات أو الشاحنات التجارية أو وسائل النقل البرية المشتركة، فيما عاد 7% سيرًا على الأقدام أو باستخدام وسائل تقليدية، في مؤشر واضح على هشاشة الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها عدد كبير من العائدين. وتعكس هذه النسب حجم الضغوط المالية التي واجهتها الأسر خلال فترة اللجوء، خاصة مع تراجع المدخرات وارتفاع تكاليف الإقامة في الخارج.
وفيما يتعلق بخطط الاستقرار، أفاد التقرير أن نحو 67% من العائدين يعتزمون الاستقرار في مناطقهم الأصلية خلال الأشهر الثلاثة التالية لدخولهم البلاد، ما يشير إلى رغبة واضحة في إعادة بناء الحياة في المجتمعات المحلية. في المقابل، يخطط 25% للانتقال إلى مناطق أخرى داخل السودان، بحثًا عن فرص اقتصادية أفضل أو بيئة أكثر استقرارًا، في وقت لا تزال فيه بعض الولايات تشهد توترات متقطعة أو تحديات خدمية كبيرة.
ورصدت المنظمة الدولية حركة العودة عبر ست نقاط حدودية رئيسية، من بينها أديكونق–الجنينة بولاية غرب دارفور، وأم دخن بوسط دارفور، والطينة بشمال دارفور على الحدود مع تشاد، إضافة إلى أشكيت وأرقين في الولاية الشمالية على الحدود المصرية، والقلابات–المتمة بولاية القضارف على الحدود مع إثيوبيا. ويعكس انتشار هذه النقاط اتساع نطاق العودة جغرافيًا، وتوزعها بين الحدود الشمالية والغربية والشرقية.
ويأتي هذا التطور في سياق تداعيات الحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، والتي تسببت في نزوح ملايين المواطنين داخليًا، فضلًا عن لجوء مئات الآلاف إلى دول الجوار. وأدت المواجهات إلى تراجع واسع في الخدمات الأساسية، بما في ذلك الصحة والتعليم والكهرباء والمياه، إلى جانب تعطّل الأنشطة الاقتصادية في عدد من المدن الكبرى، وعلى رأسها العاصمة الخرطوم وأجزاء من إقليم دارفور.
ويرى مراقبون أن أرقام العودة، رغم أهميتها، تفتح الباب أمام تحديات إنسانية واقتصادية جسيمة، إذ يتطلب استيعاب هذا العدد من العائدين توفير بنية تحتية مناسبة وخدمات صحية وتعليمية كافية، فضلًا عن خلق فرص عمل مستدامة. كما تبرز الحاجة إلى دعم دولي متواصل لمشروعات إعادة الإعمار وتحسين الخدمات الأساسية، خاصة في المناطق التي شهدت دمارًا واسعًا.
وفي السياق ذاته، يشير خبراء في الشأن الإنساني إلى أن عودة اللاجئين لا تعني بالضرورة انتهاء أسباب النزوح، بل قد ترتبط بحسابات معيشية ضاغطة في دول الاستضافة، ما يستوجب توفير بيئة مستقرة وآمنة داخل السودان لضمان استدامة العودة ومنع موجات نزوح جديدة. كما أن إعادة دمج العائدين اجتماعيًا واقتصاديًا تمثل أولوية قصوى لتفادي أية توترات مستقبلية قد تنجم عن المنافسة على الموارد المحدودة.
وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة استمرارها في متابعة حركة العائدين وجمع البيانات عبر آليات الرصد الميداني، بهدف دعم الاستجابة الإنسانية وتوجيه الموارد وفق الاحتياجات الفعلية. وتشمل هذه الجهود تقديم مساعدات طارئة لبعض الفئات الأكثر ضعفًا، لا سيما الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو تعرضت لمخاطر إضافية خلال فترة النزوح.
وبينما تعكس هذه الأرقام تحولًا ملحوظًا في مسار الهجرة العكسية، يبقى الملف مرتبطًا بالتطورات السياسية والأمنية في البلاد، ومدى تقدم الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار وفتح مسارات للحوار الوطني وإعادة الإعمار. فنجاح عودة مئات الآلاف واستقرارهم يشكل خطوة مهمة نحو التعافي، لكنه يتطلب إرادة سياسية وتنسيقًا وثيقًا بين السلطات الوطنية والشركاء الدوليين.
وفي ظل استمرار التحديات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم وتراجع العملة المحلية، يرى محللون أن عودة الكفاءات والعمالة من الخارج قد تمثل فرصة لإعادة تنشيط بعض القطاعات الإنتاجية، شريطة توفير بيئة استثمارية ملائمة ودعم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. كما أن إعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة تعد عنصرًا أساسيًا لضمان استقرار طويل الأمد.
ويعكس التقرير الأممي صورة مركبة للواقع السوداني، حيث تتقاطع مؤشرات التحسن النسبي مع استمرار الحاجة إلى دعم إنساني وتنموي واسع. ومع ذلك، فإن عودة أكثر من نصف مليون سوداني خلال عامين تمثل مؤشرًا بالغ الأهمية على رغبة شريحة واسعة من المواطنين في إعادة بناء حياتهم داخل وطنهم، رغم التحديات القائمة.