حميدتي للبرهان: أبيتها مملحة تأكلها قروض
بقلم: عبد الله علي إبراهيم
لم تمر عبارة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو عن “الجيش السوداني الجديد” في خطابه الأخير مروراً عابراً، بل بدت أقرب إلى مفتاح لفهم جانب مهم من جذور الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 بين قواته والقوات المسلحة بقيادة عبد الفتاح البرهان.
فالرجل، في حديثه أمام أنصاره خلال زيارة خارجية، لم يتحدث عن دمج قوات الدعم السريع في الجيش، وهو النقاش الذي ظل قائماً لسنوات داخل المشهد السياسي والعسكري السوداني، بل انتقل مباشرة إلى طرح مختلف يقوم على فكرة إنشاء جيش سوداني جديد يعبر عن التنوع السكاني للبلاد ويعيد تشكيل المؤسسة العسكرية من أساسها. وهذه الفكرة لم تأتِ في فراغ، بل تبدو امتداداً لمسار طويل من المواقف التي ظل حميدتي يتمسك بها منذ سنوات فيما يتعلق بمكانة قواته داخل الدولة.
فمن يتتبع تصريحات قائد الدعم السريع منذ صدور قانون قوات الدعم السريع عام 2017 يلحظ بوضوح أن فكرة دمج هذه القوات في الجيش لم تكن مقبولة لديه. بل إن مشروعه العسكري والسياسي قام إلى حد كبير على تثبيت قوات الدعم السريع كقوة قائمة بذاتها داخل الدولة السودانية، لا مجرد تشكيل عسكري يمكن استيعابه داخل القوات المسلحة متى شاءت السلطة السياسية.
وقد منح القانون الذي صدر آنذاك قوات الدعم السريع وضعاً قانونياً خاصاً داخل منظومة الدولة، مع إمكانية خضوعها للقوات المسلحة في ظروف محددة مثل حالات الطوارئ أو العمليات العسكرية الكبرى. كما نص على إمكانية دمجها في الجيش بقرار من رئيس الجمهورية. غير أن هذه الصيغة لم تكن مرضية تماماً لحميدتي الذي ظل يتعامل مع قواته باعتبارها جيشاً قائماً بذاته وليس ميليشيا يمكن حلها أو دمجها بقرار سياسي.
وقد كشف الخبير القانوني سلمان محمد سلمان في دراسته حول نشأة قوات الدعم السريع وتمددها أن حميدتي أبدى تحفظات واضحة على مادة الدمج منذ صدور القانون، وظل يناقشها مع الجهات الرسمية لفترة قبل إقرارها. وكان ذلك مؤشراً مبكراً على أن الرجل لا ينظر إلى قواته بوصفها قوة مؤقتة داخل المنظومة العسكرية، بل كجزء ثابت من معادلة القوة في السودان.
كما عبّر حميدتي عن هذا الموقف بوضوح في أكثر من لقاء إعلامي، حين قال إن قوات الدعم السريع ليست ميليشيا حتى يتم دمجها في الجيش، بل قوة نظامية لها قانونها ومهامها الخاصة. وقد اعتبر حينها أن الدعوات المتكررة لدمج قواته تعكس جهلاً بطبيعة الدور الذي قامت به هذه القوات في نظره خلال السنوات الماضية.
ومن هنا يمكن فهم حديثه الأخير عن “الجيش الجديد”. فالرجل لا يتحدث عن إصلاح محدود داخل المؤسسة العسكرية، بل عن إعادة صياغة كاملة لها. وهو طرح يجد صداه لدى بعض القوى السياسية التي ترى أن تاريخ القوات المسلحة السودانية في الحكم والسياسة يستدعي إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس جديدة أكثر مهنية وقومية.
غير أن هذا الطرح يثير في الوقت ذاته أسئلة عميقة حول جذور الحرب التي اندلعت في السودان. فهل كان الخلاف حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش أحد الأسباب التي قادت إلى اندلاع الصراع العسكري بين الطرفين؟
لقد عاد هذا الملف بقوة خلال مفاوضات “الاتفاق الإطاري” التي جرت بين القوى المدنية والعسكريين في نهاية عام 2022، حيث نص الاتفاق على تنفيذ إصلاحات عسكرية وأمنية تشمل دمج قوات الدعم السريع داخل الجيش خلال فترة زمنية محددة. وكان هذا البند تحديداً من أكثر البنود حساسية، لأنه يمس مباشرة توازنات القوة داخل المؤسسة العسكرية.
وقد احتفت بعض القوى السياسية حينها بتوقيع حميدتي على الاتفاق، معتبرة أن ذلك يمثل خطوة نحو توحيد الجيش السوداني وبناء مؤسسة عسكرية مهنية واحدة. غير أن قراءة متأنية لمواقف الرجل السابقة كانت كفيلة بإثارة الشكوك حول مدى استعداده الحقيقي للقبول بهذا المسار.
فمن قاوم فكرة الدمج لسنوات طويلة وسعى إلى تثبيت قواته كقوة مستقلة داخل الدولة، لم يكن من السهل أن يقبل فجأة بالتخلي عن هذا المشروع. وربما كان توقيعه على الاتفاق الإطاري أقرب إلى خطوة تكتيكية في سياق الصراع السياسي الذي كان يتشكل آنذاك بين القوى المختلفة بعد انقلاب أكتوبر 2021.
وهكذا تبدو مسألة الدمج في جوهرها أكثر من مجرد إجراء إداري داخل المؤسسة العسكرية. فهي تتعلق بالسؤال الأكبر حول من يملك القوة داخل الدولة السودانية ومن يحدد شكل مؤسساتها العسكرية في المستقبل.
ومن هذا المنطلق تبدو عبارة حميدتي التي يمكن تلخيصها بالمثل الشعبي السوداني “أبيتها مملحة تأكلها قروض” ذات دلالة سياسية عميقة. فبحسب هذه القراءة، فإن رفض بعض الترتيبات السابقة ربما قاد البلاد إلى وضع أكثر تعقيداً، حيث لم يعد النقاش يدور حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش، بل حول إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية نفسها.
رأي تحليلي – السودان اليوم
يرى موقع السودان اليوم أن الجدل حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش لم يكن مجرد خلاف تقني حول إصلاح القطاع الأمني، بل كان في جوهره صراعاً سياسياً وعسكرياً على شكل الدولة السودانية ومستقبل السلطة فيها. فوجود قوتين عسكريتين كبيرتين داخل البلاد خلق توازناً هشاً سرعان ما تحول إلى مواجهة مفتوحة عندما فشلت الأطراف المختلفة في الاتفاق على صيغة واضحة لتوحيد المؤسسة العسكرية.
كما أن طرح فكرة “الجيش الجديد” الذي يتحدث عنه حميدتي يعكس محاولة لإعادة تعريف موازين القوة في السودان، وهو طرح قد يلقى تأييداً لدى بعض القوى السياسية التي تنتقد تاريخ المؤسسة العسكرية، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف واسعة من تفكيك الجيش التقليدي للدولة.
وفي ظل استمرار الحرب وتعقيداتها الإقليمية والدولية، يبقى مستقبل المؤسسة العسكرية في السودان أحد أهم الملفات التي ستحدد شكل الدولة في مرحلة ما بعد الحرب، وما إذا كانت البلاد ستتجه نحو بناء جيش قومي موحد أو ستظل أسيرة تعدد الجيوش ومراكز القوة.