مقالات

خياران أمام البرهان

السودان اليوم

خياران أمام البرهان

السودان اليوم _ الأحد 10 مايو 2026 بقلم.. عزمي عبد الرازق

تبدو الإطلالات الأخيرة لرئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وكأنها محاولة لإعادة تقديم صورة سياسية جديدة للرجل، أقرب إلى “صياغة رمزية” لشخصيته في المشهد العام، أكثر من كونها تحركاً سياسياً تقليدياً محسوب الأثر.

فمشاهد ظهوره المتكرر في الأحياء الشعبية، ومشاركته الشباب مباريات كرة القدم، وجولاته في الشوارع العامة، والتقاط الصور مع المواطنين، بل وقيادة السيارة مع طلاب المدارس، كلها تعكس نمطاً غير مألوف في سلوك رأس الدولة في ظرف بالغ التعقيد، وتثير في الوقت ذاته جدلاً واسعاً حول طبيعة الرسالة المقصودة من هذا الحضور الكثيف في الفضاء العام.

 

 

 

هذا النمط من الظهور، في جوهره، لا يبدو عفوياً بالكامل، بل يُقرأ باعتباره محاولة مدروسة لصناعة “ترند سياسي” يقترب من العاطفة الشعبية، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى خطاب سياسي عميق لا إلى استعراضات رمزية. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول طبيعة الدوائر الاستشارية المحيطة بصانع القرار، وقدرتها على قراءة الواقع بوعي سياسي ناضج، بدلاً من الدفع نحو أدوات دعائية قد تُضعف الصورة أكثر مما تعززها.

غير أن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن البرهان، في وعي قطاع واسع من السودانيين، لا يحتاج إلى إعادة “تسويق سياسي”، فهو ارتبط في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد بقيادة الجيش في مواجهة واحدة من أعقد الحروب التي هددت كيان الدولة نفسه، ونجح في الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية في ظرف بالغ الانهيار.

 

 

 

 

لكن هذا الرصيد، مهما كان وزنه، لا يكفي وحده لإدارة دولة تمزقها الحرب وتتنازعها مراكز قوى متداخلة. فالمعضلة اليوم ليست في الصورة، بل في بنية القرار ذاته، وفي طبيعة السلطة التي تعمل في بيئة سياسية وأمنية مشتتة، حيث تتداخل الصلاحيات بين اتفاقات سياسية قديمة، وحكومة انتقالية محدودة الفاعلية، ومجلس سيادي تتقاطع داخله الإرادات.

هذه “السيولة المؤسسية” جعلت من الحكم عملية معقدة، بلا مركز قرار واضح، وبلا مسؤولية سياسية مكتملة، وهو ما ينعكس مباشرة على إدارة الحرب والدولة معاً، ويُبقي المشهد في حالة تعليق مستمر.

 

 

 

 

ومن هنا، يبرز جوهر الإشكال: هل يمكن إدارة هذه المرحلة بمنطق التوزيع الحالي للسلطة؟ أم أن البلاد تحتاج إلى مركز قرار واحد واضح يتحمل المسؤولية كاملة أمام الشعب والتاريخ؟

في هذا السياق، يذهب بعض التقدير السياسي إلى أن الحل لا يكمن في مزيد من الترتيبات الجزئية، بل في إعادة تعريف موقع السلطة نفسها، عبر الانتقال إلى وضع دستوري واضح يحدد المسؤوليات دون تشظي أو ازدواجية. ويُطرح في هذا الإطار خياران رئيسيان: إما الذهاب نحو تفويض شعبي مباشر عبر آليات دستورية واضحة، أو العودة إلى مرجعية دستورية أكثر تماسكاً من التجارب الانتقالية الهشة التي تعاقبت خلال السنوات الماضية.

 

 

 

 

المقارنة التاريخية هنا ليست ترفاً فكرياً، بل محاولة لفهم كيف يمكن للدول الخارجة من الأزمات أن تعيد بناء مركز القرار. فقد لجأت تجارب دولية سابقة إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية عبر تفويض شعبي مباشر أو إعادة تأسيس دستوري شامل، لتجاوز حالة الانقسام المؤسسي التي تعطل الدولة.

وفي الحالة السودانية، يبدو أن استمرار الوضع الحالي دون حسم طبيعة السلطة سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وربما تعميقها، خاصة في ظل الحرب التي أعادت رسم خرائط السيطرة على الأرض، وأفرزت واقعاً أمنياً وسياسياً جديداً لا يمكن التعامل معه بالأدوات القديمة نفسها.

 

 

 

 

في المقابل، فإن الحديث عن استعادة الدولة لا يمكن أن ينفصل عن مسألة الشرعية السياسية، لأن أي سلطة لا تستند إلى تفويض واضح ستظل عرضة للطعن والتنازع، مهما كانت قوتها العسكرية أو نفوذها الميداني.

وبين هذا وذاك، يبقى السودان أمام لحظة حاسمة تتطلب قراراً سياسياً من نوع مختلف، قراراً يعيد تعريف شكل الدولة قبل أن يعيد توزيع السلطة داخلها.

فإما الذهاب نحو تأسيس مركز حكم واضح يتحمل المسؤولية الكاملة عن وقف الحرب وإعادة بناء الدولة، وإما الاستمرار في إدارة مشهد مركب ومتشظٍ، يقود تدريجياً إلى فقدان السيطرة على مجريات الأحداث، ودخول البلاد في مسار مفتوح على احتمالات “الطوفان”.

 

 

 

 

 

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بشخص الرئيس بقدر ما يتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل تريد أن تُدار بمنطق القيادة الموحدة الواضحة، أم أن تُترك لتوازنات متداخلة لا تنتج سوى مزيد من الانقسام؟

إنها لحظة لا تحتمل الرمزية وحدها، بل تحتاج إلى قرار تاريخي واضح: إما أن يكون هناك رئيس يتحمل مسؤولية دولة كاملة، أو أن يُترك الفراغ ليمتد حتى يبتلع ما تبقى من الدولة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى