مقالات

العيد في كمبالا: تجربة سودانية

السودان اليوم

العيد في كمبالا: تجربة سودانية

السودان اليوم _ السبت 21 مارس 2026 _ كمبالا –بقلم.. فيصل محمد صالح

كان أول عيد لنا في كمبالا عام 2023، عيد الفطر، تلاه عيد الأضحى، وكانت تجربة العيد بعيدًا عن السودان مختلفة تمامًا عن أعيادنا في الوطن. لم نكن نتخيل أننا سنحتفل بالعيد وسط أجواء كمبالا، المدينة التي تجمع بين الأصالة الأفريقية والانفتاح الحضري، وهو ما يجعل تجربة العيد فيها مزيجًا من العادات السودانية والإيقاع المحلي.

في أول أيام العيد، توجهنا مباشرة إلى “السلخانة”، مكان الذبح المخصص، إذ لا تتوفر إمكانية للذبح داخل الشقق الضيقة أو الشوارع العامة. العملية هنا تختلف كثيرًا عن السودان: يشترى الخروف ثم يُسلم للجزار، ويبدأ انتظار طويل ومليء بالتحديات، في مكان ضيق ومزدحم وغير نظيف، خصوصًا مع هطول أمطار غزيرة أضفت مزيدًا من الصعوبة على المهمة. كما قال صديقنا الدكتور محمد صلاح: “أخذنا درس، السنة القادمة نأتي في اليوم الثاني”، فقلت له منزعجًا: “هو نحن قاعدين حتى السنة القادمة؟!”، مما أضاف جوًا من الفكاهة على هذه التجربة الصعبة.

والآن، ونحن على أبواب عيدنا الثالث في كمبالا، باتت الصورة أوضح عن طبيعة حياة المسلمين السودانيين في يوغندا، وكيفية اندماجهم مع المجتمع المحلي. تاريخيًا، للمسلمين وجود معتبر في يوغندا، فقد حمل السودانيون الذين جاؤوا إلى البلاد تحت قيادة أتراك وإنجليز بعد سقوط دولة المهدية، الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية معهم، ووجدوا أيضًا مسلمين بين مجموعات البوغندا، أكبر مجموعة سكانية في كمبالا وضواحيها.

تنتشر المساجد في كمبالا بشكل واسع، وتختلف من حيث الأحجام والتجهيزات، بينما توجد مناطق مثل “كيبولي” و”كاومبي” تكاد تكون حصرًا للمسلمين. ومع مرور الوقت، انتشر السودانيون في كل أحياء كمبالا، وانتعشت بعض المساجد الصغيرة بوجودهم، وانتشرت صلاة التراويح في رمضان لتصبح في كل حي، بعد أن كانت مقتصرة على مناطق محددة، وهو ما أسعد المسلمين اليوغنديين الذين يفتخرون بأن بعض المساجد أصبحت تضيق بالمصلين.

مظاهر العيد تبدأ بصلاة العيد، حيث تحضر الأسر بكاملها رجالًا ونساءً وأطفالًا، ويتبادلون التهاني: “عيدي مبارك”، مع محاولة التميز في الأزياء. بعض الرجال يرتدون الزي الخليجي، مثل الثوب والشماغ أو الغترة والعقال، فيما يلتزم آخرون بالجلابية السودانية التقليدية والشال والعقال، بينما ترتدي النساء الحجاب أو غطاء الرأس. وفي مناسبات الزواج، غالبًا ما يرتدي العريس الزي نفسه كرمز للهوية الدينية والثقافية.

خطبة العيد غالبًا ما تُلقى بثلاث لغات: اللوغندا، والعربية، والإنجليزية، لتمكين الإمام من مخاطبة مختلف الجنسيات. وقد لاحظنا أن كثيرًا من الأئمة درسوا بالسودان، مثلما هو الحال في مسجد “إنتندا”، مما يعكس استمرار تأثير السودان على الحياة الدينية في كمبالا. في المناطق التي تكثر فيها الجالية السودانية، مثل منطقة “سيتا” شمال شرق كمبالا، تُقام صلاة العيد بإمام سوداني غالبًا في مدرسة أو ساحة سكنية، ما يتيح للمسلمين السودانيين الحفاظ على شعور الانتماء والتواصل الثقافي.

الزيارات المنزلية وتنظيم اللقاءات الجماعية للمعايدة تمثل جانبًا مهمًا من مؤانسات العيد، إذ تجتمع الأسر لاستقبال المهنئين والزائرين، بينما يُعدّ الخبز بأنواعه داخل البيت جزءًا من هذه التجربة، مع شراء المواد الخام فقط، حفاظًا على الروح التقليدية للعيد. هذه العادات تخلق إحساسًا بالألفة والانتماء لدى السودانيين المغتربين، وتجعل من كمبالا مكانًا يحتضن ذكريات الوطن وعاداته الدينية والاجتماعية.

الرأي تحليلي السودان اليوم

تجربة السودانيين في كمبالا تكشف عن قدرة الجاليات على الحفاظ على هويتهم الدينية والثقافية في بيئات مختلفة. إذ تجمع هذه التجربة بين الاندماج المحلي والحفاظ على التقاليد السودانية، وهو ما يعكس ديناميكية قوية للتكيف الثقافي والاجتماعي. انتشار المساجد وارتفاع حضور صلاة التراويح في مناطق مختلفة يعكس ليس فقط التوسع السكاني، بل أيضًا تأثير السودانيين على المشهد الديني في يوغندا، ما يُظهر دور المغتربين في نقل الثقافة الإسلامية وإعادة تشكيل المشهد المحلي وفق رؤيتهم وتجاربهم.

كما أن التحديات اليومية، مثل صعوبة الذبح في يوم العيد، تكشف جانبًا آخر من تجربة الغربة، حيث تضطر الجاليات لإعادة ترتيب أولوياتها وتحويل الصعوبات إلى مواقف طريفة تُروى لاحقًا، وهو ما يخلق روابط اجتماعية قوية بين أفراد الجالية. ويمكن اعتبار هذه التجربة نموذجًا للتعايش والتكيف، حيث تجمع بين الحفاظ على التراث، وإيجاد حلول عملية في بيئة غير مألوفة، ما يعزز من مرونة المجتمع السوداني في الخارج وقدرته على الابتكار الاجتماعي.

في النهاية، العيد في كمبالا ليس مجرد مناسبة دينية، بل تجربة ثقافية واجتماعية تُبرز الهوية السودانية وتؤكد قدرة الجالية على الاندماج دون فقدان ارتباطها بالدين والثقافة. ومع كل عيد جديد، تتعمق روابط المغتربين بالمجتمع المحلي، ويستمر نقل التجربة السودانية إلى جيل جديد من المسلمين في يوغندا، ما يجعل من الاحتفال بالعيد مناسبة مزدوجة: للاحتفاء بالدين، وللاحتفاء بالهوية والتاريخ.

تعريف الكاتب: من هو فيصل محمد صالح؟

فيصل محمد صالح هو صحفي وكاتب سوداني بارز وُلد وعاش في السودان، وله حضور طويل في الساحة الإعلامية. يشغل منصب وزير الإعلام في الحكومة الانتقالية السودانية، ولديه خبرة واسعة في الصحافة المكتوبة والإلكترونية. حصل على درجة الماجستير في الدراسات الصحفية، وعمل محررًا وكاتب مقالات في عدة صحف وطنية، كما تولى رئاسة تحرير صحيفة الأضواء، وشارك في تدريب الصحفيين ومناقشة قضايا حرية التعبير وحقوق الإنسان.

عرف فيصل محمد صالح بمواقفه النقدية تجاه السلطات، ودفاعه عن حرية الصحافة واستقلاليتها، وقد حصل على تقدير واسع لمهنيته وشجاعته في تغطية الأحداث المهمة داخل السودان وخارجه.

للمذيد من التفاصيل قم بزيارة ويكبيديا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى