
من نيروبي.. تفاصيل غامضة حول موقف كينيا من صراع الجيش والدعم السريع
السودان اليوم _ في قلب العاصمة الكينية نيروبي، ومن تحت سقف القاعات الدبلوماسية التي شهدت تاريخياً أعقد المفاوضات الأفريقية، انطلقت موجة جديدة من التساؤلات التي قد تغير مجرى القراءة السياسية للصراع السوداني الراهن، حيث جاء اللقاء رفيع المستوى بين وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي ونظيره الكيني الدكتور موساليا مودافادي ليكشف عن ملامح دعم كيني وُصف بالاستراتيجي للسودان، وهو الدعم الذي أثار حالة من الجدل الكثيف وسط المراقبين الذين انقسموا في تفسير دلالاته، هل هو انحياز لمؤسسات الدولة السودانية الرسمية والجيش السوداني، أم أنه مناورة دبلوماسية تترك الأبواب مواربة أمام قوات الدعم السريع؟ إن هذا التطور الجديد يأتي في وقت يحبس فيه السودانيون أنفاسهم ترقباً لأي انفراجة دولية، حيث أكدت نيروبي والقاهرة في بيان مشترك على ضرورة دعم وحدة وسيادة السودان، وهي جملة دبلوماسية تحمل في طياتها الكثير من الألغاز، فالسلطة والسيادة في السودان اليوم تعد هي “بيضة القبان” في الصراع الدائر، والحديث عن دعمها في نيروبي — التي كانت سابقاً توصف بمواقفها المتذبذبة — يعد تحولاً جوهرياً يستحق التوقف عنده طويلاً، خاصة وأن اللقاء لم يكتفِ بالحديث السياسي المرسل، بل غاص في تفاصيل شراكة استراتيجية بدأت ملامحها تتشكل منذ يناير 2025.
إن المتعمق في تفاصيل هذا الدعم يجد أن كينيا بدأت في رسم خارطة طريق تعتمد على “مقاربة شاملة” تربط بين تحقيق السلام والتنمية المستدامة، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول هوية الشريك الذي ستتعامل معه نيروبي لتنفيذ هذه التنمية على أرض الواقع؛ فبينما يرى البعض أن التأكيد على “سيادة الدولة” هو اعتراف صريح بشرعية القوات المسلحة السودانية وقيادتها في بورتسودان، يرى آخرون أن التحرك الكيني يهدف إلى خلق توازن دقيق يضمن لها دوراً محورياً في مستقبل السودان أياً كانت نتائج المواجهة العسكرية. وما يزيد من غموض المشهد هو التركيز المكثف في المباحثات على قطاعات حيوية مثل الزراعة، والطاقة، والإنشاءات، وتكنولوجيا المعلومات، وهي قطاعات تتطلب استقراراً لا يتوفر حالياً إلا في مناطق سيطرة الجيش، مما قد يُفسر على أنه رغبة كينية في الانخراط اقتصادياً مع السلطة القائمة، ومع ذلك، فإن التاريخ الدبلوماسي لنيروبي في التعامل مع الأزمة السودانية يجعل القارئ يتساءل: هل هذا الدعم هو “صك براءة” لمواقف كينيا السابقة التي كانت تثير حفيظة الخرطوم، أم هو فصل جديد من فصول الضغط الإقليمي الذي تقوده مصر لجذب كينيا بعيداً عن أي تأثيرات قد تخدم قوات الدعم السريع؟
اللقاء لم يغفل أيضاً البعد الإقليمي المرتبط بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث شدد الوزيران على أن استقرار السودان ليس شأناً داخلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن القومي للقارة السمراء، وهو ما يدفعنا للتساؤل حول “الأدوات” التي ستقدمها كينيا لدعم هذا الاستقرار؛ فهل ستقدم كينيا دعماً لوجستياً أو سياسياً يعزز من قدرة الدولة السودانية على بسط سيطرتها، أم أنها ستكتفي بدور “المراقب الإيجابي” الذي يدعم الحلول السلمية دون الانحياز لجهة على حساب أخرى؟ وما يجعل الكفة تميل قليلاً نحو فرضية دعم مؤسسات الدولة هو التنسيق المصري الكيني العالي بشأن إدارة الموارد المائية وحوض النيل، وهو ملف وجودي يتطلب وجود حكومة مركزية قوية ومعترف بها دولياً في السودان للتعامل معه، خاصة مع رفض الطرفين لأي إجراءات أحادية الجانب في مياه النيل، ودعوتهم لاستعادة الشمولية في مبادرة حوض النيل وفق قواعد القانون الدولي، وهو موقف يتماشى تماماً مع رؤية الدولة السودانية الرسمية.
وعلى الرغم من هذا التقارب، يظل السؤال معلقاً في أذهان السودانيين: لمن ستفتح نيروبي أبوابها في الأيام القادمة؟ فبينما تتحدث كينيا عن استثمارات كبرى وإمكانية تأسيس خط بحري يربط الموانئ المصرية على البحر الأحمر بالموانئ الكينية على المحيط الهندي، يبرز السؤال حول دور السودان في هذا الطريق التجاري الحيوي، ومن هي الجهة التي ستقوم بتأمين هذا المسار؟ إن الغموض الذي يكتنف هذه التفاصيل هو ما يجعل القارئ يبحث بين السطور عن الحقيقة؛ فهل نيروبي بصدد تغيير استراتيجيتها بالكامل والتحول إلى حليف استراتيجي للجيش السوداني بمباركة مصرية، أم أنها تمارس نوعاً من “الدبلوماسية الهادئة” التي تستهدف استيعاب الجميع لحين انجلاء غبار المعارك؟ إن التأكيد على دعم الصومال والسودان في سياق واحد يشير إلى رغبة في خلق “جبهة استقرار” أفريقية، ولكن يبقى المحك الحقيقي هو في الخطوات العملية التي ستتخذها اللجنة المشتركة في اجتماعها القادم بالقاهرة، والتي من المفترض أن تضع النقاط على الحروف فيما يخص حجم ونوع الدعم المقدم للسودان.
ختاماً، يمكن القول إن كينيا اليوم لم تعد هي كينيا الأمس في نظر الدبلوماسية السودانية، فالمواقف المعلنة في نيروبي تشير إلى “انعطافة” قد تكون تاريخية، ولكن تظل الشكوك تحوم حول التفاصيل المخفية؛ هل ستقبل كينيا بلعب دور “الظهير الإقليمي” للشرعية السودانية مقابل مكاسب اقتصادية واستثمارية، أم أن هناك كواليس أخرى لم تُكشف بعد تتعلق بمصير قوات الدعم السريع في الرؤية الكينية للحل؟ إن هذه التساؤلات هي التي تجعل من الخبر الكيني مادة دسمة للنقاش، حيث يبحث كل طرف في السودان عن “قشة” يتمسك بها في بحر الصراع المتلاطم، وبين هذا وذاك، تظل نيروبي تراقب المشهد بحذر، معلنةً دعماً للسيادة والوحدة، تاركةً للزمن وللميدان مهمة تفسير من هو صاحب هذه السيادة الحقيقي في نظرها.