هاجر سليمان تكشف كواليس أخطر بلاغ جنائي يلاحق السافنا
بقلم.. هاجر سليمان
السودان اليوم _ السبت 16 مايو 2026 _ في واحدة من أكثر القضايا الجنائية التي شغلت الرأي العام السوداني خلال السنوات الماضية، تعود تفاصيل مقتل تاجر الذهب المعروف عمر الحافظ إلى الواجهة مجدداً، بعد تداول معلومات عن تحركات القائد الميداني المعروف بـ(السافنا)، المتهم الرئيسي في القضية التي ما تزال مفتوحة أمام العدالة، رغم تعقيداتها وتشعب خيوطها بين الشمالية والخرطوم وبورتسودان.
وبحسب الوقائع الرسمية، فإن بداية القضية تعود إلى الرابع والعشرين من أكتوبر 2022م، عندما تقدم فتح الرحمن الحافظ، شقيق القتيل، ببلاغ جنائي تحت المواد المتعلقة بالاشتراك الجنائي والنهب والقتل العمد، وذلك عقب العثور على شقيقه مقتولاً داخل مقر إقامته بمنطقة القعب شمال غربي دنقلا، وهي منطقة تبعد نحو سبعين كيلومتراً عن مجرى النيل.
في تلك الليلة الدامية، تسللت قوة مسلحة ومدججة بالأسلحة إلى مقر إقامة التاجر المعروف، والذي كان يدير نشاطاً واسعاً في مجال التعدين الأهلي واستخراج الذهب، قبل أن تقوم بمحاصرته داخل الموقع. وتشير التحريات إلى أن المهاجمين قاموا بتوثيق يدي الضحية بالأغلال، ثم نهبوا خزائن تحوي كميات من الذهب والأموال، قبل أن يطلقوا عليه النار بثلاث رصاصات مباشرة أردته قتيلاً في الحال.
الجريمة وقتها بدت غامضة بالكامل، إذ لم تكن هناك أي خيوط تقود إلى الجناة، غير أن التحريات اللاحقة قادت إلى تطورات مثيرة قلبت الملف رأساً على عقب. وبعد نحو أسبوع فقط من وقوع الجريمة، تمكنت السلطات من القبض على المتهم الأول عبد الحكم طه محمد إبراهيم داخل سوق ليبيا بأمبدة، وهناك بدأت تتكشف أخطر الاعترافات.
المتهم، وخلال استجوابه، أقر بوقوع الجريمة وكشف عن معلومات وصفها المحققون بالمفصلية، حيث أشار إلى أن القوة المنفذة تتبع للقائد المعروف بـ(السافنا)، وأنها جاءت خصيصاً من الخرطوم لتنفيذ العملية بعد تنسيق مسبق. وبحسب إفاداته، فإن العملية لم تكن عملاً عشوائياً، بل جرى التخطيط لها بصورة دقيقة، بدءاً من التحرك وحتى الهروب من الولاية الشمالية فور تنفيذ الجريمة.
لاحقاً، ألقت السلطات القبض على السافنا وخمسة متهمين آخرين، وضبطت مركبات وأسلحة نارية قيل إنها استُخدمت أثناء تنفيذ العملية. كما كشفت التحقيقات أن إحدى العربات تتبع للدعم السريع، وأن القوة التي شاركت في الهجوم كانت مزودة بأسلحة وذخائر تتبع للمليشيا.
ومع اتساع دائرة التحقيقات، انهارت روايات المتهمين تباعاً، حيث أقر السافنا وبقية المتهمين، وفق محاضر التحري، بالمشاركة في التخطيط والتنفيذ ونهب الأموال والذهب، بل وأقروا كذلك بتوزيع المسروقات فيما بينهم عقب العملية.
القضية تحولت حينها إلى ملف رأي عام بالغ الحساسية، ما دفع السلطات إلى نقل المتهمين الثمانية من الخرطوم إلى دنقلا عبر طيران عسكري خاص، وسط ترتيبات أمنية مشددة غير مسبوقة. وتم وضع المتهمين تحت حراسة مكثفة داخل سجن دنقلا، حيث شاركت مختلف القوات النظامية في تأمين الموقع، حتى إن مدرعات عسكرية تم نشرها حول السجن تحسباً لأي محاولة تهريب.
وفي خضم تلك الأجواء المتوترة، بدأت تتواتر معلومات أمنية عن مخطط لاستهداف السجن وتهريب المتهمين بواسطة عناصر مسلحة. وبناءً على تلك المعلومات، جرى نقل الملف مجدداً إلى الإدارة العامة للمباحث والتحقيقات الجنائية بالخرطوم بحري، كما تم توزيع المتهمين بين سجني كوبر والهدى في محاولة لتفكيك أي خطة محتملة لتحريرهم.
لكن اندلاع الحرب لاحقاً غيّر المشهد بالكامل، إذ شهدت البلاد حالة انفلات واسعة شملت اقتحام عدد من السجون وإطلاق سراح موقوفين، وكان السافنا ضمن الذين تمكنوا من الخروج والعودة مجدداً إلى صفوف القتال.
أما المتهم الأول عبد الحكم، فقد أُلقي القبض عليه مرة أخرى خلال مايو 2024م داخل إحدى مناطق التعدين بوادي حلفا، قبل أن يتم ترحيله إلى عطبرة ثم بورتسودان، حيث أضيفت إليه لاحقاً مواد جديدة تتعلق بإثارة الحرب وتقويض النظام الدستوري. غير أن المفاجأة الأكبر جاءت في مايو 2025م، عندما تمكن من الهروب من حراسة الشرطة ببورتسودان، لتعود القضية إلى نقطة أكثر تعقيداً، بينما لا تزال السلطات تعلن استمرار عمليات البحث عن جميع المتهمين.
الراحل عمر الحافظ لم يكن مجرد تاجر ذهب عادي، بل كان شخصية معروفة في محيطه الاجتماعي والقبلي، واشتهر – بحسب مقربين منه – بالهدوء والوقار والعمل الواسع في قطاع التعدين، لذلك شكّل مقتله صدمة كبيرة داخل الولاية الشمالية وخارجها، وظلت أسرته تتمسك بحق القصاص وترفض إغلاق الملف أو تجاوزه بمرور الزمن.
وبينما تتجدد الأحاديث هذه الأيام حول السافنا وتحركاته، يعود السؤال الذي ظل يتردد منذ وقوع الجريمة: هل يمكن أن يطوى هذا الملف بالفعل؟ أم أن الدم الذي أريق في صحراء القعب ما يزال يلاحق كل المتورطين، مهما ابتعدت المسافات وتغيرت الوقائع؟
