مقالات

خفايا وتحولات.. من البشير إلي البرهان وحميدتي

السودان اليوم

خفايا وتحولات.. من البشير إلي البرهان وحميدتي

السودان اليوم _ الأحد 31 مايو 2026 شهد السودان خلال العقود الأخيرة تحولات سياسية وعسكرية كبيرة، كان أبطالها ثلاثة أسماء ظلت حاضرة بقوة في المشهد السوداني، وهم الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير، ورئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”. وتداخلت أدوار هؤلاء القادة في مراحل مختلفة من تاريخ السودان الحديث، لتشكل مساراً معقداً من التحالفات والخلافات والتطورات التي انتهت إلى الحرب الدائرة حالياً في البلاد.

وصل عمر البشير إلى السلطة في السودان في الثلاثين من يونيو عام 1989 عبر انقلاب عسكري أطاح بالحكومة المنتخبة آنذاك. واستمر حكمه قرابة ثلاثين عاماً، ليصبح أحد أطول الحكام بقاءً في السلطة في تاريخ السودان الحديث. وخلال سنوات حكمه شهد السودان العديد من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، بما في ذلك النزاعات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بالإضافة إلى انفصال جنوب السودان في عام 2011.

 

 

 

 

في تلك الفترة برز اسم عبد الفتاح البرهان كأحد الضباط في القوات المسلحة السودانية، حيث تدرج في المناصب العسكرية حتى أصبح من كبار القادة العسكريين. كما ظهر محمد حمدان دقلو “حميدتي” كقائد لقوات الدعم السريع التي نشأت في سياق النزاع الدارفوري قبل أن تتحول لاحقاً إلى قوة عسكرية كبيرة ذات نفوذ واسع داخل السودان.

ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد حكومة البشير في أواخر عام 2018 بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية، شهد السودان موجة من المظاهرات المطالبة بالتغيير. واستمرت الاحتجاجات لأشهر عدة حتى أعلن الجيش السوداني في الحادي عشر من أبريل عام 2019 عزل الرئيس عمر البشير وإنهاء حكمه الذي استمر ثلاثة عقود.

 

 

 

عقب سقوط البشير، تشكل المجلس العسكري الانتقالي برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بينما تولى محمد حمدان دقلو منصب نائب رئيس المجلس. وفي تلك المرحلة ظهر تحالف واضح بين البرهان وحميدتي ضمن القيادة الجديدة التي أدارت البلاد بعد إزاحة البشير.

وشهدت الفترة الانتقالية مفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير التي قادت الحراك الشعبي. وأسفرت هذه المفاوضات عن توقيع الوثيقة الدستورية التي نظمت الشراكة بين المدنيين والعسكريين خلال المرحلة الانتقالية، وتشكيل مجلس السيادة الانتقالي برئاسة البرهان.

 

 

 

وخلال السنوات التالية برزت تحديات عديدة أمام السلطة الانتقالية، من بينها الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وقضايا السلام مع الحركات المسلحة، والخلافات السياسية بين المكونات المدنية والعسكرية. كما ظلت العلاقة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع محل اهتمام واسع من قبل المراقبين، خاصة مع تنامي نفوذ الدعم السريع على المستويات العسكرية والاقتصادية.

وفي أكتوبر 2021 أعلن البرهان إجراءات استثنائية شملت حل مجلسي السيادة والوزراء وإعلان حالة الطوارئ، وهو ما أثار جدلاً سياسياً واسعاً داخل السودان وخارجه. وفي تلك المرحلة ظل حميدتي جزءاً من السلطة الانتقالية، واستمرت الشراكة بين الطرفين لفترة من الزمن.

 

 

 

لكن مع اقتراب التوصل إلى اتفاق سياسي جديد يهدف إلى استكمال المرحلة الانتقالية، بدأت تظهر خلافات متزايدة بين قيادة القوات المسلحة وقيادة قوات الدعم السريع، خاصة حول قضايا الإصلاح الأمني والعسكري ودمج قوات الدعم السريع داخل الجيش السوداني. ومع مرور الوقت تحولت هذه الخلافات إلى توتر سياسي وأمني متصاعد.

وفي الخامس عشر من أبريل عام 2023 اندلع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم وعدد من الولايات السودانية، لتدخل البلاد واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها الحديث. وأسفرت الحرب عن خسائر بشرية كبيرة ونزوح ملايين المواطنين داخل السودان وخارجه، بالإضافة إلى أضرار واسعة في البنية التحتية والمؤسسات الحكومية والخدمات الأساسية.

 

 

 

ومنذ اندلاع الحرب تبادل الطرفان الاتهامات بشأن مسؤولية بدء القتال، بينما استمرت الجهود الإقليمية والدولية للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وإيجاد حل سياسي للأزمة. وفي المقابل ظل الرئيس السابق عمر البشير بعيداً عن المشهد السياسي المباشر منذ عزله في عام 2019، بينما بقي اسمه حاضراً في النقاشات المتعلقة بمستقبل السودان وتقييم مرحلة حكمه.

ويرى عدد من المحللين أن العلاقة بين البشير والبرهان وحميدتي تمثل جزءاً مهماً من فهم التطورات التي شهدها السودان خلال السنوات الأخيرة. فالبشير حكم البلاد لعقود طويلة وشهدت فترة حكمه صعود شخصيات عسكرية عديدة، من بينها البرهان وحميدتي اللذان أصبحا لاحقاً من أبرز الفاعلين في المشهد السوداني بعد سقوط نظامه.

 

 

وتبقى الحرب الحالية واحدة من أكثر القضايا تأثيراً على مستقبل السودان، حيث يتطلع ملايين السودانيين إلى استعادة الأمن والاستقرار وعودة مؤسسات الدولة للعمل بصورة طبيعية، وإنهاء معاناة المدنيين التي تفاقمت نتيجة استمرار الصراع.

 

وبين عهد البشير، والمرحلة الانتقالية بقيادة البرهان، والدور الذي لعبه حميدتي خلال السنوات الماضية، يظل السودان أمام مرحلة مفصلية تتطلب حلولاً سياسية شاملة تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل الاعتبارات، وتفتح الباب أمام مستقبل أكثر استقراراً وتنميةً للشعب السوداني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى