اخبار

وباء يضرب الشمالية

السودان اليوم

وباء يضرب الشمالية

​السودان اليوم _ تعيش الولاية الشمالية في السودان هذه الأيام حالة من الاستنفار القصوى والقلق المتزايد، وذلك عقب الإعلانات الرسمية الصادرة عن الجهات الصحية التي كشفت عن تطورات وبائية مقلقة تتطلب تضافر كافة الجهود الرسمية والشعبية لمحاصرة خطر داهم بدأ يطل برأسه في محليات الولاية، حيث أعلنت وزارة الصحة بالولاية الشمالية بشكل رسمي عن رصد بؤرة مرضية لمرض حمى الضنك، وهو الأمر الذي أحدث صدمة في الأوساط المحلية نظراً لخطورة هذا المرض وسرعة انتشاره إذا لم يتم التعامل معه بالسرعة والدقة المطلوبتين، وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تمر به البلاد، مما يضع النظام الصحي أمام اختبار حقيقي في القدرة على الرصد والاستجابة السريعة لمواجهة الأزمات الصحية الطارئة، وقد أوضح التقرير الوبائي الأخير أن الفحوصات التي أجريت عبر تقنية الفحص السريع أكدت إصابة 36 شخصاً بهذا الفيروس، مما استدعى إعلان حالة الاستنفار في إدارة الطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة، حيث تركزت هذه الإصابات جغرافياً في منطقة الغريبة التابعة لمحلية مروي، وهي المنطقة التي باتت الآن تحت المجهر الصحي والأمني لضمان عدم خروج الوضع عن السيطرة وتمدد المرض إلى القرى والمحليات المجاورة التي ترتبط بوشائج اجتماعية وتجارية وثيقة تزيد من احتمالات انتقال العدوى بشكل أفقي وسريع بين المواطنين.

​إن التفاصيل الواردة من وزارة الصحة تشير إلى أن اكتشاف هذه البؤرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة لمتابعة دقيقة وتقصي مخبري عالي المستوى قامت به الكوادر الطبية الميدانية، حيث قامت الفرق الفنية المتخصصة بفحص يرقات البعوض في المنطقة المعنية، وأثبتت النتائج المخبرية القاطعة وجود بعوض “الإيديس إجبتاي” المعروف علمياً بكونه الناقل الرئيسي والوحيد لفيروس حمى الضنك، وهذا النوع من البعوض يتميز بخصائص بيولوجية تجعل من مكافحه تحدياً كبيراً للجهات المختصة، فهو ينشط بشكل أساسي في ساعات النهار ويتوالد في تجمعات المياه العذبة والنظيفة داخل المنازل وحولها، مما يعني أن المعركة ضد الوباء تبدأ من داخل البيوت وليس فقط في الساحات العامة أو المجاري المائية المكشوفة، وبالرغم من أن الوزارة طمأنت المواطنين بعدم تسجيل أي حالات وفاة حتى هذه اللحظة، إلا أن ارتفاع عدد الإصابات المؤكدة إلى 36 حالة، مع تسجيل 11 حالة جديدة في غضون أربع وعشرين ساعة فقط، يعطي مؤشراً واضحاً على أن المنحنى الوبائي في حالة صعود مستمر، مما يفرض ضرورة الالتزام الصارم بالإرشادات الصحية وتفعيل غرف الطوارئ التي تعمل الآن على مدار الساعة لمراقبة الموقف وتوفير الرعاية الطبية اللازمة للمصابين الذين يخضعون لمتابعة دقيقة من قبل الكوادر الطبية المتخصصة في مراكز العزل المخصصة.

​وفي إطار الاستجابة الفورية لهذه الأزمة الصحية، تحركت فرق الاستجابة السريعة التابعة لإدارة الطوارئ الصحية نحو محلية مروي ومنطقة الغريبة على وجه الخصوص، حيث شرعت هذه الفرق في تنفيذ خطة تدخل عاجلة تشمل التقصي الميداني للوصول إلى كل الحالات المشتبه بها وحصر المخالطين، بالإضافة إلى تفعيل نظام “التبليغ الصفري”، وهو نظام دقيق يهدف إلى التأكد من خلو المناطق من أي إصابة جديدة عبر تقارير يومية تصل من كافة المرافق الصحية والمستشفيات في الولاية، كما شددت الوزارة في بيانها الرسمي على أن المرحلة الحالية تتطلب تكثيفاً غير مسبوق لعمليات التفتيش المنزلي والمسوحات الحشرية الشاملة، فالهدف الأساسي الآن هو قطع دورة حياة البعوض الناقل ومنع توالده، وهذا لن يتحقق إلا من خلال حملات رش مكثفة وتوعية مجتمعية شاملة تحث المواطنين على تجفيف منابع المياه الراكدة وتغطية الأواني واستخدام الوسائل الوقائية الشخصية مثل الناموسيات والملابس الساترة، فالوضع الصحي في الولاية الشمالية لا يحتمل أي تهاون، خاصة وأن حمى الضنك تتميز بأعراض سريرية قاسية تشمل الارتفاع الحاد والمفاجئ في درجات الحرارة، وآلاماً مبرحة في الرأس والعظام والمفاصل، وهو ما يطلق عليه محلياً “حمى تكسير العظام”، وفي حالاتها المتطورة قد تؤدي إلى مضاعفات نزفية خطيرة تهدد حياة المريض بشكل مباشر إذا لم يتم تدارك الحالة في مراحلها الأولى وتقديم السوائل الوريدية والمحاليل اللازمة.

​إن ما يحدث في الولاية الشمالية يمثل جرس إنذار لكافة الولايات السودانية الأخرى، حيث أن حركة النزوح الكبيرة والتنقل بين الولايات في ظل الظروف الراهنة قد تساهم في نقل الفيروس عبر المسافرين المصابين أو عبر انتقال البعوض الناقل في وسائل النقل المختلفة، ولذلك فإن وزارة الصحة بالولاية الشمالية تعمل بالتنسيق الوثيق مع الجهات الاتحادية لضمان توفير المعينات الطبية والمحاليل اللازمة للفحص والتشخيص السريع، بالإضافة إلى توفير الأدوية الداعمة لعلاج الحالات وتخفيف الآلام، ويجب أن يدرك الجميع أن مكافحة حمى الضنك هي مسؤولية تضامنية مشتركة بين الحكومة والمجتمع، فالعمل الميداني المشترك وتفعيل المناشط الوقائية هما السلاح الوحيد للقضاء على مسببات المرض، كما أن الدور الإعلامي في هذه المرحلة يعد محورياً لنشر الوعي الصحي الصحيح وتبديد الشائعات والمعلومات المغلوطة التي قد تصاحب ظهور مثل هذه الأوبئة وتسبب حالة من الذعر غير المبرر، ومن هنا تنبع أهمية الشفافية التي انتهجتها وزارة الصحة في كشف الأرقام والبيانات الحقيقية، لأن المعرفة هي أولى خطوات الوقاية، والمواطن في محلية مروي وفي كل أرجاء الولاية الشمالية مطالب اليوم باليقظة التامة والتبليغ الفوري عن أي حالة اشتباه تظهر عليها الأعراض المعروفة، لضمان تقديم الرعاية الصحية في الوقت المناسب ومنع تمدد البؤرة الوبائية إلى مراكز الكثافة السكانية.

​وبالنظر إلى الجوانب العلمية والبيئية لهذا الوباء، نجد أن التحدي الحقيقي يكمن في الطبيعة الجغرافية والمناخية للولاية الشمالية التي قد تساعد على انتشار نواقل الأمراض، خاصة مع وجود مساحات زراعية واسعة وتجمعات مياه بالقرب من مناطق السكن، ولذلك فإن التوجيهات الرسمية ركزت على ضرورة تنفيذ حملة مكافحة متكاملة وفورية، لا تقتصر فقط على الرش الضبابي الخارجي، بل تتعداه إلى المكافحة الحيوية والكيميائية لليرقات في مصادر توالدها الأساسية، كما أن تفعيل غرف الطوارئ الصحية في المحليات المجاورة لمحلية مروي يهدف إلى خلق حزام أمان صحي يمنع تسلل الفيروس إلى مناطق جديدة، فالتاريخ الوبائي لحمى الضنك في السودان سجل سابقاً فاشيات في ولايات مختلفة، ولكن ظهورها في الشمالية بهذا الزخم في هذا التوقيت يتطلب قراءة مختلفة واستعداداً استثنائياً، خاصة وأن النظام الصحي في البلاد يعاني أصلاً من ضغوط هائلة نتيجة للأوضاع العامة، ومع ذلك فإن العزيمة التي تظهرها الكوادر الطبية المتطوعة والرسمية في الميدان تعطي أملاً كبيراً في إمكانية السيطرة على هذا الوباء وتطويقه في أضيق نطاق جغرافي ممكن، شريطة أن تتوفر الإمكانيات اللوجستية اللازمة من وقود لسيارات الرش ومبيدات حشرية فعالة وميزانيات تسيير للفرق الميدانية التي تعمل في ظروف بالغة التعقيد ليل نهار.

​ختاماً، يبقى الوضع الصحي في الولاية الشمالية تحت المراقبة اللصيقة من أعلى المستويات السياسية والصحية، والبيان الصادر عن وزارة الصحة وضع النقاط على الحروف وحدد خارطة الطريق الواضحة للمرحلة المقبلة، فالمعركة ضد حمى الضنك هي معركة وعي مجتمعي قبل أن تكون معركة طبية، والرسالة الموجهة لإنسان الولاية الشمالية واضحة وصريحة وهي أن الوقاية خير من العلاج، والتعاون التام مع فرق التفتيش المنزلي هو واجب وطني وأخلاقي لحماية الأسر والمجتمع من خطر هذا المرض الفتاك الذي لا يفرق بين صغير وكبير، إن الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار هذا الوباء، فإما أن تنجح الإجراءات الاحترازية المتخذة في حصار المرض داخل منطقة الغريبة وتجفيف منابعه تماماً، أو أننا سنواجه سيناريوهات أكثر تعقيداً تتطلب تدخلاً دولياً أو إقليمياً، ولكن الثقة تظل كبيرة في قدرة الإدارات الصحية السودانية على تجاوز هذه المحنة بسلام، وفي وعي المواطن السوداني الذي كان دوماً هو السند القوي للجهود الرسمية في مواجهة الأزمات الصحية والكوارث الطبيعية، ولعل هذا التقرير المفصل يضع الرأي العام في صورة ما يجري حقيقة على الأرض، بعيداً عن التهويل الإعلامي أو التهوين من حجم المخاطر، فالحقيقة الميدانية تؤكد وجود بؤرة وبائية حقيقية ولكنها تؤكد أيضاً وجود استجابة مهنية وعلمية رفيعة المستوى تسعى جاهدة لحفظ أرواح المواطنين وسلامة الولاية الشمالية من كل سوء ومكروه، ليبقى السودان دائماً وطناً معافى بفضل تكاتف أبنائه وحرص قادته في الحقل الصحي على أداء رسالتهم السامية تحت كل الظروف ومهما عظمت التحديات الماثلة أمامهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى