اقتصاد

زلزال قضائي في واشنطن يعيد تشكيل خارطة الأسواق: الذهب يحلق فوق 5000 دولار إثر إسقاط رسوم ترمب الجمركية

السودان اليوم

زلزال قضائي في واشنطن يعيد تشكيل خارطة الأسواق: الذهب يحلق فوق 5000 دولار إثر إسقاط رسوم ترمب الجمركية

تقرير خاص / قسم الاقتصاد – موقع السودان اليوم

​شهدت الأسواق المالية العالمية، في ختام تعاملات الأسبوع الماضي، تحولات دراماتيكية وعاصفة من التقلبات الإيجابية لقطاع الملاذات الآمنة؛ حيث سجلت أسعار الذهب ارتفاعاً تاريخياً ملحوظاً. وبحسب متابعات السودان اليوم”، لم يكن هذا الصعود وليد صدفة اقتصادية عابرة، بل جاء كرد فعل مباشر ومحسوب لقرار المحكمة العليا الأميركية، الذي أحدث زلزالاً سياسياً وقانونياً بإبطاله أجزاءً جوهرية من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خلال ولايته الثانية.

​هذا القرار القضائي لم يكتفِ بإعادة رسم السياسة التجارية للولايات المتحدة فحسب، بل أرسل موجات صدمة عبر المحيطات لتؤثر في تسعير العملات، وتوجهات الفائدة، وتقييم المخاطر في الأسواق العالمية كافة.

الديناميكية السعرية: المعدن الأصفر يكسر الحواجز النفسية

​في جلسة اتسمت بالزخم الشرائي الكثيف والسيولة العالية، أظهرت بيانات التداول الفورية التي رصدها موقع “السودان اليوم” صعوداً حاسماً لسعر الذهب بنسبة 1.5%، ليخترق حواجز المقاومة ويستقر عند مستوى قياسي بلغ 5072.48 دولاراً للأونصة.

​استمد هذا الأداء الاستثنائي طاقته بشكل أساسي من التراجع الملحوظ الذي شهده مؤشر الدولار الأميركي، والذي انخفض بنحو 0.3% أمام سلة من العملات الرئيسية.

لماذا يرتفع الذهب حينما يتراجع الدولار؟

تعد العلاقة العكسية بين الذهب والدولار من الثوابت الاقتصادية؛ فالذهب يُسعّر عالمياً بالعملة الأميركية، وعندما يتراجع الدولار، يصبح المعدن النفيس أقل تكلفة للمستثمرين حائزي العملات الأخرى، مما يرفع الطلب عليه ويدفع أسعاره نحو الأعلى. إضافة إلى ذلك، برز الذهب في هذه اللحظة كأداة تحوط مثالية ضد حالة عدم اليقين القانوني والسياسي التي عصفت بواشنطن.

 

الحيثيات القانونية: المحكمة العليا تفرمل “الصلاحيات الطارئة”

​تكمن القصة الحقيقية وراء هذا التحرك المالي في أروقة المحكمة العليا الأميركية؛ فقد أصدرت المحكمة حكماً مفصلياً اعتبرت فيه أن الرئيس السابق دونالد ترمب قد “تجاوز صلاحياته الدستورية” بشكل صريح.

​ووفقاً لنص الحكم، فإن الإدارة السابقة أفرطت في الاستناد إلى القوانين الفيدرالية المتعلقة بـ “الصلاحيات الطارئة” لتمرير حزم واسعة النطاق من الرسوم الجمركية “المتبادلة” على مستوى عالمي، فضلاً عن فرض ضرائب استيراد مستهدفة على دول وكيانات محددة دون الرجوع إلى القنوات التشريعية المعتادة في الكونغرس.

التداعيات الفورية للقرار القضائي:

  • إلغاء الشرعية: يعني القرار عملياً نزع الغطاء القانوني وإبطال جزء كبير من تلك الرسوم الجمركية التي شكلت عصب السياسة التجارية الحمائية لترمب.
  • أزمة الاسترداد المالي: يفتح هذا الحكم الباب واسعاً أمام سيل متوقع من الدعاوى القضائية من قبل آلاف الشركات والمستوردين الذين يطالبون الآن برد مبالغ ضخمة تقدر بمليارات الدولارات، والتي حُصّلت منهم كرسوم جمركية اعتبرت الآن “غير قانونية”.

 

 

 

 

 

كابوس الخزانة الأميركية وتوقعات السياسة النقدية

​التحليل العميق الذي يطرحه خبراء “السودان اليوم” يكشف عن أزمة تلوح في الأفق بالنسبة للخزانة الأميركية؛ فاحتمالية إجبار الحكومة الفيدرالية على رد المبالغ الجمركية للمستوردين ستشكل ضغطاً هائلاً على إيرادات الدولة في الفترة المقبلة، مما قد يفاقم عجز الموازنة.

  • رد فعل الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي): يرى كبار المحللين الماليين أن أي تراجع محتمل وعميق في الإيرادات الحكومية سيجبر صانعي القرار على إعادة تقييم أدواتهم النقدية. ولدعم الموازنة وتخفيف عبء الديون، من المرجح جداً أن يميل الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار فائدة منخفضة لفترة أطول من المتوقع، أو حتى تبني سياسات تيسيرية جديدة.
  • البيئة المثالية للذهب: تاريخياً، يُعرف الذهب بأنه يزدهر ويحقق أفضل أداء له في بيئات أسعار الفائدة المنخفضة. وبما أن الذهب أصل لا يدر عائداً ثابتاً (كالسندات أو الودائع)، فإن جاذبيته تتضاعف فوراً عندما تتراجع عوائد الأصول الاستثمارية الأخرى، مما يدفع رؤوس الأموال للهروب إليه كمخزن آمن للقيمة.

عدوى الصعود: الفضة والبلاديوم ينضمان لمسيرة الأرباح

​لم تقتصر نشوة الأسواق على الذهب وحده، بل امتدت لتشمل سلة المعادن النفيسة بأكملها، في دلالة واضحة على إعادة تسعير شاملة للمخاطر المرتبطة بالسياسة التجارية الأميركية:

  1. الفضة (الرالي الأكبر): سجلت الفضة قفزة صاروخية بنسبة 5.6%؛ حيث تستفيد الفضة من صفتها المزدوجة؛ كمعدن نفيس وملاذ آمن من جهة، وكمعدن صناعي من جهة أخرى. وإلغاء الرسوم الجمركية قد يعني انتعاشاً في التجارة العالمية والصناعة، مما يعزز الطلب عليها.
  2. البلاتين والبلاديوم: حقق كلا المعدنين مكاسب قوية، مدفوعين بآمال تعافي سلاسل التوريد العالمية التي كانت مقيدة بالحروب التجارية، خاصة في قطاع صناعة السيارات.

 

 

 

 

ترمب يلوح بالبدائل: فصول قادمة من المعارك

​من الناحية السياسية، لم تمر هذه الضربة القضائية دون رد فعل؛ ففي تعليق أولي يعكس إصراراً على نهجه الحمائي، ألمح دونالد ترمب وفريقه إلى أنهم يدرسون بنشاط إمكانية اللجوء إلى “بدائل تشريعية” أو صياغة قرارات تنفيذية بأسلوب جديد لاستبدال الرسوم التي أُبطلت.

​هذا التلويح بحد ذاته يؤكد أن المعركة لم تنتهِ، ويبقي حالة من عدم اليقين تخيم على الأسواق العالمية. والمستثمرون عادة ما يفضلون الذهب في ظل الضبابية السياسية.

​علاوة على ذلك، أشار خبراء قانونيون في تصريحاتهم لـ “السودان اليوم” إلى أن هذا القرار يمثل مجرد “نهاية البداية”؛ حيث تبرز تعقيدات هائلة حول آلية استرداد الرسوم المدفوعة سابقاً، ومن المتوقع إحالة القضية إلى محاكم أدنى للنظر في آلاف الدعاوى الفردية، مما سيغرق الساحة الأميركية في نزاعات قانونية قد تمتد لسنوات.

الخلاصة: عين على واشنطن وأخرى على الملاذات الآمنة

​في ضوء هذه التطورات، يجد المستثمرون حول العالم أنفسهم مضطرين لمتابعة المشهد السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة عن كثب وبحذر شديد. فقد أصبحت قرارات المحاكم، وردود الفعل السياسية، وتوجهات البنك المركزي هي العوامل الحاسمِة التي ترسم اتجاهات الدولار وتحدد مسار أسعار الفائدة.

​بالنسبة لأسواق الذهب، يبدو أن الأمدين القريب والمتوسط سيحملان مزيداً من الزخم؛ فما دامت المعارك القانونية مستعرة، وشبح الفائدة المنخفضة يلوح في الأفق، والتجاذبات السياسية الأميركية تلقي بظلالها على التجارة العالمية، سيظل المعدن الأصفر هو الملاذ الأول والأكثر بريقاً لحماية الثروات من تقلبات السياسة والاقتصاد.

— انتهى التقرير —

جميع الحقوق محفوظة لموقع السودان اليوم © 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى