ليس السعر العالمي.. السر الحقيقي وراء صمود أسعار الذهب في السودان اليوم
الخرطوم / الولايات – تقرير خاص الخميس 26 فبراير 2026
السودان اليوم _ في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتصاعد معدلات التضخم وتقلبات سوق الصرف، يواصل الذهب في السودان ترسيخ موقعه كأحد أهم الملاذات الآمنة لحفظ القيمة. وبينما يربط كثيرون حركة الأسعار المحلية بما يحدث في البورصات العالمية، تكشف قراءة أعمق لواقع السوق أن المعادلة أكثر تعقيداً، وأن السعر العالمي ليس العامل الحاسم الوحيد في تحديد تكلفة الجرام داخل محلات الصاغة السودانية.
شهدت أسواق الذهب اليوم حالة من الاستقرار المائل إلى الارتفاع، مدفوعة بعوامل داخلية تتعلق بسعر الصرف، وتكاليف التشغيل، وارتفاع تكلفة الاستيراد، إلى جانب اعتبارات العرض والطلب المحلية. وبحسب جولة ميدانية ورصد لأسعار التداول في عدد من الأسواق الرئيسية، فإن حركة البيع والشراء تسير بوتيرة متوسطة، مع استمرار الإقبال على الجنيه الذهب والمشغولات عيار 21 باعتبارهما الخيارين الأكثر شيوعاً بين المواطنين.
أولاً: أسعار الذهب الخام في السودان (من دون مصنعية)
تمثل أسعار الذهب الخام المؤشر الأساسي لقيمة المعدن قبل إضافة تكاليف التصنيع والدمغة وأرباح التاجر. وقد جاءت تسعيرة اليوم على النحو التالي:
الذهب عيار 24
سجل الجرام من عيار 24 نحو 597,477 جنيهاً سودانياً. ويُعد هذا العيار الأعلى من حيث درجة النقاء بنسبة تصل إلى 99.9%، ويستخدم غالباً في صناعة السبائك والادخار طويل الأجل. كما يعتبر المؤشر الأكثر ارتباطاً بالسعر العالمي للأونصة، إلا أن تأثير هذا الارتباط يظل نسبياً في ظل خصوصية السوق السودانية.
الذهب عيار 21
بلغ سعر الجرام حوالي 522,802 جنيه سوداني. ويُعد عيار 21 الأكثر تداولاً في الأسواق المحلية، وهو الخيار التقليدي للمشغولات الذهبية التي تقتنيها الأسر، خاصة في مناسبات الزواج والادخار العائلي. ويجمع هذا العيار بين نسبة نقاء مرتفعة وصلابة مناسبة للتشكيل.
الذهب عيار 18
استقر سعر الجرام عند حدود 448,052 جنيهاً سودانياً. ويتميز هذا العيار بمرونة أكبر في التصنيع، ما يجعله مناسباً للتصاميم الحديثة والمشغولات الخفيفة والأطقم العصرية، كما يحظى بقبول متزايد لدى فئة الشباب والمقبلين على الزواج بميزانيات محددة.
الجنيه الذهب
يظل الجنيه الذهب أحد أهم أدوات الادخار المباشر، إذ يزن 8 جرامات من الذهب عيار 21. وقد سجل اليوم نحو 4,183,616 جنيهاً سودانياً وفقاً لسعر الخام، قبل إضافة أي رسوم إضافية محتملة. ويُنظر إليه باعتباره وسيلة سريعة لتحويل السيولة النقدية إلى أصل ثابت يحتفظ بقيمته.
ثانياً: الأسعار النهائية بعد إضافة المصنعية
لا يشتري المستهلك الذهب بالسعر الخام، إذ تُضاف قيمة المصنعية التي تشمل تكاليف التشغيل، وأجور العمالة، والدمغة، وهامش الربح. وبحسب إفادات عدد من تجار الصاغة، تتراوح المصنعية حالياً ما بين 30,000 إلى 35,000 جنيه سوداني لكل جرام، وقد تزيد في بعض التصاميم المستوردة أو المعقدة.
وبناءً على ذلك، تصبح الأسعار التقريبية للمستهلك كما يلي:
عيار 24 شامل المصنعية
يتراوح السعر النهائي بين 627,477 إلى 632,477 جنيهاً سودانياً للجرام، ويكون غالباً في شكل سبائك أو قطع استثمارية.
عيار 21 شامل المصنعية
يتراوح ما بين 552,802 إلى 557,802 جنيه سوداني للجرام، وهو السعر الأكثر حضوراً في واجهات المحلات، خاصة للمشغولات التقليدية مثل الأساور والسلاسل والخواتم.
عيار 18 شامل المصنعية
يتراوح بين 478,052 إلى 483,052 جنيهاً سودانياً للجرام، بحسب نوع التصميم ودرجة التعقيد.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأسعار تقديرية وقابلة للتغير من محل إلى آخر ومن ولاية إلى أخرى، تبعاً لاختلاف تكاليف التشغيل ومستوى الطلب وحركة سعر الصرف في السوق الموازي.
ثالثاً: لماذا لا تنخفض أسعار الذهب رغم تقلبات الأونصة عالمياً؟
هنا يكمن جوهر العنوان. فالسعر العالمي ليس العامل الوحيد المؤثر في السوق السودانية. صحيح أن سعر الأونصة في البورصات الدولية يمثل مرجعاً أساسياً، غير أن التاجر المحلي يقوم بالتسعير وفق معادلة مركبة تشمل عدة عناصر محلية مباشرة.
أول هذه العوامل هو سعر الصرف. فمعظم عمليات الاستيراد والتعاملات الكبيرة تتم عبر عملات أجنبية، ما يجعل أي ارتفاع في الدولار ينعكس فوراً على تكلفة إعادة شراء الذهب وتعويض المخزون المباع. وبالتالي، حتى إذا تراجع السعر العالمي، فإن ارتفاع سعر الصرف قد يمتص أثر ذلك التراجع محلياً.
العامل الثاني يتمثل في تكلفة الاستيراد والنقل والتأمين، التي شهدت زيادات ملحوظة خلال الفترة الأخيرة. فهذه التكاليف تدخل ضمن هيكل التسعير، وتحد من إمكانية انخفاض السعر النهائي للمستهلك.
العامل الثالث هو سلوك السوق المحلي نفسه. إذ يلجأ كثير من المواطنين إلى شراء الذهب عند ظهور أي مؤشرات لعدم الاستقرار، مما يزيد الطلب ويُبقي الأسعار في مستويات مرتفعة نسبياً. فالذهب هنا ليس مجرد سلعة استهلاكية، بل أداة للتحوط ضد تراجع القوة الشرائية للنقد.
كما أن بعض التجار يعتمدون سياسة تسعير احترازية، تقوم على احتساب سعر الجرام بناءً على توقعات مستقبلية لسعر الصرف وليس السعر اللحظي فقط، تحسباً لتقلبات مفاجئة قد تؤدي إلى خسائر في حال البيع بأسعار منخفضة.
رابعاً: قراءة مستقبلية لحركة السوق
يرى متعاملون أن استمرار حالة عدم الاستقرار النقدي سيُبقي الذهب في موقع متقدم ضمن خيارات الادخار. وفي حال استقر سعر الصرف أو شهد تحسناً ملموساً، قد تنعكس آثار ذلك تدريجياً على الأسعار، لكن بشكل محدود وبفارق زمني.
أما إذا استمرت الضغوط على العملة المحلية، فمن المرجح أن يواصل الذهب أداءه القوي كمخزن للقيمة، حتى مع وجود تذبذبات محدودة في البورصات العالمية. ومن هنا يمكن القول إن الذهب في السودان أصبح مرآة مباشرة لحركة الجنيه السوداني أكثر من كونه انعكاساً فورياً للأسعار الدولية.
في المحصلة، يتضح أن فهم سوق الذهب في السودان يتطلب قراءة داخلية دقيقة للعوامل المحلية، وليس الاكتفاء بمتابعة المؤشرات العالمية. وبين العرض والطلب، وسعر الصرف، وتكاليف التشغيل، تتشكل المعادلة الحقيقية التي تحدد السعر الذي يدفعه المواطن في نهاية المطاف.

