الذهب الأزرق في السودان: كيف أثرت الحرب على أسعار الأسماك ومستقبل التصدير؟
الخرطوم / بورتسودان
تقرير _ السودان اليوم _ في لحظة فارقة يمر بها الاقتصاد السوداني، حيث تتراجع قطاعات تقليدية مثل الزراعة والصناعة والتجارة العابرة للحدود تحت ضغط الحرب والاضطرابات اللوجستية، يبرز قطاع الثروة السمكية كأحد أقل القطاعات تكلفة وأكثرها قدرة على تحقيق عائد سريع نسبياً. ويطرح هذا الواقع سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لـ”الذهب الأزرق” أن يصبح أحد أعمدة التعافي الاقتصادي في السودان؟
أرقام تكشف حجم الفرصة
يمتد الساحل السوداني على البحر الأحمر لمسافة تتجاوز 750 كيلومتراً، بينما يشق نهر النيل البلاد من الجنوب إلى الشمال، ما يمنح السودان تنوعاً بيئياً فريداً بين المياه المالحة والعذبة.
تشير تقديرات متقاطعة لخبراء القطاع إلى أن الطاقة النظرية للإنتاج السمكي من المياه الداخلية قد تصل إلى 100 ألف طن سنوياً، في حين تتجاوز القدرة الإنتاجية المحتملة في البحر الأحمر 10–15 ألف طن سنوياً من الأسماك عالية القيمة مثل الناجل والروبيان والقشريات.
لكن الإنتاج الفعلي لا يزال أقل بكثير من هذه الإمكانات، نتيجة ضعف الاستثمار، وغياب التقنيات الحديثة، وتداعيات الصراع على البنية التحتية.
تأثير الحرب.. اختناق سلاسل الإمداد
أدى النزاع المسلح إلى تعطّل مراكز إنتاج رئيسية، أبرزها خزان جبل أولياء الذي كان يغذي العاصمة بنسبة معتبرة من استهلاكها اليومي من الأسماك الطازجة. كما تأثرت سلاسل التبريد والنقل بسبب انقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار الوقود، مما أدى إلى زيادة الفاقد وارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية.
وتشير تقديرات تجار إلى أن أسعار بعض الأنواع تضاعفت في عدد من الولايات مقارنة بما قبل الحرب، ليس بسبب ندرة المخزون، بل بسبب صعوبات النقل والتخزين.
بورتسودان.. مركز الثقل الجديد
برزت مدينة بورتسودان كمحور حيوي للنشاط الاقتصادي خلال فترة النزوح الواسع من العاصمة. ومع تحولها إلى مركز إداري وتجاري مؤقت، ارتفع الطلب المحلي على الأسماك، خاصة مع الارتفاع القياسي في أسعار اللحوم الحمراء.
كما تحاول شركات محلية الحفاظ على صادرات محدودة إلى أسواق الخليج، مستفيدة من القرب الجغرافي والمخزون البحري المتنوع، رغم التعقيدات البنكية المرتبطة بالتحويلات والشحن والتأمين.
الاستزراع السمكي.. فرصة منخفضة المخاطر
في ولايات مثل الشمالية ونهر النيل، ظهرت مبادرات صغيرة ومتوسطة للاستزراع السمكي باستخدام الأحواض الاصطناعية. ويُعد هذا النموذج أقل تأثراً باضطرابات النقل البحري وأكثر قدرة على التحكم في الإنتاج والكلفة.
اقتصادياً، يتميز الاستزراع السمكي بـ:
سرعة دورة رأس المال مقارنة بالماشية
استهلاك مائي محدود نسبياً
إمكانية التوسع التدريجي وفق الإمكانات التمويلية
وإذا ما تم توفير التمويل الأصغر والمدخلات الأساسية، يمكن لهذا القطاع أن يخلق فرص عمل مباشرة للصيادين وغير مباشرة في مجالات النقل، التصنيع، والتوزيع.
العملة الصعبة والأمن الغذائي
في ظل شح العملات الأجنبية، يمثل تصدير المنتجات السمكية ذات القيمة العالية مورداً واعداً. فالأسماك البحرية والقشريات تحظى بطلب مرتفع في أسواق الخليج وآسيا، ما يمنح السودان ميزة تنافسية إذا تم تطوير سلاسل القيمة.
أما محلياً، فإن زيادة الإنتاج يمكن أن تسهم في:
خفض أسعار البروتين الحيواني
تقليل الاعتماد على اللحوم المستوردة
تعزيز الأمن الغذائي في الولايات الآمنة
تحديات تحتاج إلى قرارات عاجلة
رغم الإمكانات الواعدة، يواجه القطاع عدة معوقات:
ضعف البنية التحتية للتبريد والتخزين
محدودية التمويل المصرفي للأنشطة الصغيرة
غياب سياسات تحفيزية واضحة للصادرات السمكية
نقص البيانات والإحصاءات الدقيقة لتوجيه الاستثمار
ويرى مختصون أن أي خطة إنعاش اقتصادي شاملة يجب أن تضع الثروة السمكية ضمن أولوياتها، باعتبارها قطاعاً منخفض الكلفة نسبياً وسريع العائد مقارنة بقطاعات أخرى تحتاج سنوات لإعادة البناء.
خاتمة تحليلية
في بلد يزخر بالأنهار والسواحل، تبدو المفارقة واضحة: موارد طبيعية وفيرة مقابل إنتاج متواضع. غير أن التحولات الجغرافية والاقتصادية التي فرضتها الحرب قد تعيد رسم خريطة الاستثمار داخلياً. وإذا ما تم استغلال “الذهب الأزرق” بكفاءة، يمكن أن يصبح قطاع الأسماك أحد مفاتيح الاستقرار الغذائي والنقدي في مرحلة ما بعد الصراع.
فالنيل لا يزال يجري، والبحر الأحمر لا يزال غنياً، ويبقى القرار الاقتصادي هو الفيصل بين الإمكانات الكامنة والواقع المعاش.

